مجلة المسار

المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير المفكر الإسلامي زيد بن علي الوزير

زيد بن علي بن عبدالله الوزير. أديب، شاعر، مفكر، سياسي، مؤرخ، محقق، يتميز بالوسطية والعقلانية في منهجه الفكري، مع إدراك عميق، وإلمام واسع، وطرح متزن، يتضح ذلك من خلال ما طرحه في بعض مؤلفاته الفكرية والسياسية لعدد من القضايا أبرزها مسألة الفردية في الفقه السياسي عند المسلمين، وما تمثله من أزمة في فهم صلاحية الحكم الفردي، أطروحة عميقة، ودراسة جادة صاغها وقدمها بحرية في كتابه (الفردية ـ بحث في أزمة الفقه السياسي الفردي عند المسلمين).

وظيفة "المال" عند الزيدية


الأربعون
( الرابعة عشر : العدد الأول : 1434 / 2013) - رقم الصفحة : 13 - ترجمة :

- التبويب : -

وظيفة"المال" عند الزيدية

زيد بن علي الوزير (*)

(1)

عندما نتحدث عن سياسة المال في الإسلام بوجه خاص، فلابد أن نقف بحذر شديدمن مجمل الروايات السياسية المروية بإسهاب، إذ أنها تحمل في طياتها مكرًا خفيًّا،خاصة فيما روته عن الصلاحيات المالية المطلقة "للخلفاء الراشدين"، إذيختفي الغرض المبيت وراء الصلاحيات المقدسة الممنوحة للخلافة الراشدة من أجلالوصول إلى أغراض مناقضة تمامًا لما أعدت له، إن التركيز على تغيير وظيفة المال منمسارها الطبيعي يعتبر واحدًا من أهم الأهداف التي تبنتها الروايات الماكرة، ومن ثمفالباحث مدعو إزاء هذه الحالة بالدرجة الأولى إلى تلمس التبديلات والتحويرات التيحدثت، ثم أخفيت بمهارة تحت ركام ضخم من المرويات المختلقة أو المبررة.

أول ما ينبغي تلمسه هو أن "علماء السلطة" قد منحوا الحكامالأمويين والعباسيين صلاحيات مالية مطلقة لم تكن للخلفاء الراشدين بأي شكل منالأشكال، وقد تمكنوا بقوة الدولة وإغراءاتها ومالها وسيفها من تحوير طبيعة الوظيفةالمالية الأساسية تحويرًا كاملا، وكانت أهم خطوة أتخذت عبر سلسلة من التغييراتالجوهرية لطبيعة الخلافة نفسها وتحويلها من تشريع وضعي صاغه الصحابة يوم السقيفة، إلى تشريع ديني، ومن ثم تم نقلالخلافة الراشدة من مدنيّة صرفة إلى ملكية قيصرية دينية، حيث منح الخليفة-القيصر، باعتبارهخليفة الله، صلاحيات واسعة ومطلقة، تمكن بها من تحويل وظيفة "بيت مالالمسلمين"، من ملكية عامة للأمة إلى خزينة خاصة تابعة لولي الأمر. لقد أصبحالخليفة الجديد خليفة الله، والمال مال الله، فهو بالنيابة عن الله يحتكره لمايشاء، ولمن يشاء([1]).

وكان تكتيكًا ناجحًا أن يعمد "علماء السلطة" إلى هذه الطريقة؛لأن العهد الراشدي كان هو الأقرب إلى عهد "النبي الكريم"، والأكثر التصاقًا بتعاليمه، والأكثر تطبيقًالها، ومن ثم كان تحوير وقائعه إلى ما يتفق والملك العضوض، وإظهاره كأنه امتدادطبيعي للخلافة أحد الوسائل الناجحة في جعل الأمة تبتلع تلك التحويرات التديينيةوتتبناها، في ظل مرحلة لم تتبلور فيها الكتابة التاريخية عند المسلمين، أي في تلك المرحلة التي اختلطت فيهاالإخباريات والأقاصيص والأساطير بحقائق التاريخ مما أتاح مجالًا لتثبيت ما يريدالحكام وعلماء السلطة تثبيته، وأمكن للناس، أن يتقبلوا الشوائب الفادحة كأنهاتاريخ صحيح.

وهكذا في هذا المناخ الغائم وُجدت تلك البذور مناخها الملائم فنمتوأعشبت،  ثم جرى تهذيبها باستمرار بما يتواءممع مستجدات التبديل، حتى إذا جاء خلفٌ آخر وجد تلك التبديلات  وكأنها هي وقائع التاريخ الصحيح فتزود منهاوحملها على كتفيه كمًّا ضخمًا من تاريخ آخر يجهل نشأته،ومن ثم فالباحث مرة أخرىمدعو للقيام بعملية تنقية واسعة للبحث عن الجذور الأصيلة وفرزها عن الشوائبالدخيلة.

وعلى ضوء ذلك فإن أول ما يجب معرفته هو أن التشريعات الوضعية، قد تدّينت،وأصبحت من المقدسات المسلم بها، ومن ثم يجب كخطوة فرز ما هو شرعي عما هو وضعي؛ لأنبقاء الغلاف الديني حولها يعشي النظر عن الرؤية الصحيحة، فيختلط"الشرعي" بـ "الإضافي" في عملية قاهرة، فما يروى على وجهالخصوص من حقوق الخليفة الراشد المالية المطلقة، قد ظهرت وكأنها صلاحيات دينيةلاتناقش، في حين أنه لم يكن للخلفاء أي صلاحية شرعية في السياسة المالية، وإنماكان المسلمون يتوافقون على وضع الحقوق المالية وفق القيادة الجماعية التي كانت عليهاالخلافة الراشدة، وعند التأمل الدقيق في مقاصد تحوير الحقوق الوضعية إلى حقوقدينية نجد أن القصد منها هو إلغاء صلاحية مؤسسة "بيت مال المسلمين"الوضعية لصالح خزينة ولي الأمر الشرعية، ونحن نعرف -من خلال ما بقي من وقائع نجتمن التحريف- أن المسلمين أعطوا "أمين بيت مال المسلمين"، صلاحياتواسعةتفوق صلاحيات الخليفة في هذا المضمار، وأنه كان يعترض على قرارات الخليفة إذالم تحظ بإقرار الصحابة؛ إما عن طريق الشورى، أو عن طريق الرضا بها،وأنه هو الذيكان يقرر بمشاورة المسلمين وعلى ملأ من الناس مرتب الخليفة، كما كان الحال مع  "أبي بكر"([2])، ولكن لما بدأ الخلل الإداري المالي في السنواتالأخيرة من حكم "عثمان"- نتيجة نفوذ اللوبي الأموي-أدرك "أمين بيتمال المسلمين" أن انحرافًا بدأ يتكون، فقدم استقالته إلى المسلمين أصحاب الحقداخل حرم «المسجد» -أي في مجلس الشورى وفي حضور الخليفة نفسه، ولم يقدمها في بيتالخليفة، ولا إلى الخليفة([3])، ومن ثمفإن إخفاء صلاحية أمين بيت مال المسلمين تحت غطاء القول بأنه كان للخليفة"أبي بكر"سياسة مالية مستقلة خاصة به، ولـ"عمر" أخرى، ولـ"عثمان"ثالثة ولـ"علي" رابعة بدون ربطها بقيادة جماعية، ولا بشورى ملزمة، إنماكان تغطية لطبيعة صلاحيات أمين بيت المال، وإخراجًا مقصودًا لتعزيز سلطة الفرد فينظام "الخليفة- القيصر"، وأصبح الإيقاع على نغمة أن لكل خليفة الحق فيسياسة مالية خاصة به إثراءً مستمرًّا، وترويجًا دائمًا لإبعاد "الخليفةالشوري"عن الذاكرة السياسية لتمرير القبول بحكم الخليفة- القيصر والمقدس.

من هناينبغي الحذر من قبول ما يروى عن عهد الخلافة الراشدة من روايات جرت إعادة صياغتها،وعلى المؤرخ أن يأخذ المرويات المالية في العهد الراشدي بحذر ويفحصها بدقة، وعليهأن يحتاط فيمعن في الحيطة، وعليه أن يتبين موقع المكائد التي غلَّفت وقائع ذلكالعهد.

 وعليه فقد ألزمت نفسي أن أقرأ تاريخ تلك الفترةعلى ضوء تعاليم {القرآن الحكيم} وعلى ضوء وجود قيادة جماعية، وشورى ملزمة([4]).ومن ثم فأنا أرفض كل الرفض عملية صياغة التبريرات والاختلاقات التي تمت بنجاح، ومنثم فسأقف من وقائع  التاريخ المالي- كمارواه علماء التبديل- موقف العودة بها إلى مناخها الطبيعي وحقيقتها وحجمها على ماكانت عليه بقدر الجهد والطاقة.

(2)

بعد هذاالتمهيد الضروري أخرج إلى الحديث عن "وظيفة المال عند "الزيدية-والزيدية الهادوية"، ولن يكون هذا المقال حديـثًا عن مصادر المال، وإنما عنمقاصد هذا المال؛ لأن الحديث عن مصادره لن يختلف عما تقول به كل المذاهب الأخرى،وإنما سيركز على وظيفة المال عند "الزيدية" لما تميزت به - ربما - من أطروحاتليست عند المذاهب الأخرى، وليست كذلك فقط نظريات مكتوبة، وإنما تطبيقات عملية بعدأن أصبحت في "اليمن" دولة قائمة.

والحديث عن هذه السياسة ليس حديثًا رخاء كما يُتوقع، بلعسيرًا كما سنواجه، ومصدر عسره أن "الزيدية" أفق مفتوح يصعب وضع إطار ضابط له، ومن ثم يصعب ضبطحدوده، ذلك أن "الزيدية" توجب الاجتهاد المطلق، وليس فقط الاجتهاد فيالمذهب، وعلى أساس وجوب الاجتهاد المطلق نشأت ما يمكن تسميتها بالمدرسة الزيدية،وهذه التسمية قد تكون أدق تعبيرًا من كلمة المذهب الزيدي،  ذلك أن هذا الاجتهاد المطلق قد أخرج علماءمجتهدين متنوعي الأغراض، متعددي المناهج، غير مرتبطين بإطارٍ محكم، ولا ملتزمينبقالبٍ ضابط، ومن ثم تنوع الفقه والفكر الزيدي بفضل تنوع الاجتهاد المطلق، وتشكلتداخل هذه المدرسة الزيدية لهذا السبب أجنحة كثيرة لها آفاقها الخاصة؛ ولهذا كلهيصعب القول بوجود قالب ضابط يسهل الحديث عنه، كما هو الحال عند الفقه"المالكي" أو "الحنفي" أو"الشافعي"أو"الحنبلي" حيث لم يخرج عنها مجتهدوه، بل ظلوا داخلها يعيدون إنتاج اجتهاداتهمويكررونه بنفس مواده، ولا يطعمونه من خارج مذاهبهم، وعلى عكس هذا التوجه سارت"الزيدية" غير متقيدة بقالب فقهي يضبط تياره، وقد قادهم هذا الانفتاحإلى وضع قواعد جعلوها هي الأصل في تبني الأحكام، آخذين بما وافق القاعدة ولو كانتمخالفة لأقوال أئمتهم([5]). كماساعد على هذا الانفتاح الواسع أنهم اعتمدوا مرجعية كل مجتهد مصيب حلًّا لكل خلافبين الاجتهادات، وبهذه المرجعية تعذر وجود تيار واحد ذي لون واحد. وهنا تظهر صعوبةالكتابة عن مذهب زيدي له إطار فقهي ضابط نظرًا لوجود ضخ هائل من الاجتهاداتالكثيرة. وأكثر صعوبة من ذلك الحديث عن موضوع "المال عند الزيدية".

ولكن مع ذلك هناك ثوابت يمكن أن تسلك النظريات المختلفة فيسلك واحد، وعندئذٍ يمكن تقديم المتفق عليه، وفق المفهوم العام الذي ثبته على نحورائع أمير المؤمنين "علي بن أبي طالب" عليه السلام، وطبقهالإمام"زيد بن علي" ثم "الهادي" عندما أقام "الدولةالزيدية" في "شمال اليمن".

(3)

وفي سياق ما التقت عليه كل الأجنحة الزيدية أستطيع أن أجزم منذ البداية بأن"وظيفة المال عند الزيدية"، وظيفة اجتماعية، بالدرجة الأولى، القصد منهاهو أن تجري في أوردة الأمة كما تجري الدورة الدموية في أوعية الجسم الإنساني، منأجل تغذية كل خلاياه وفق معادلة منصفة، وقد ثبت أنه عندما توقف جريانه في تلكالأوردة، أصيبت الغالبية من الأمة بالضمور، في حين أصيبت الدولة –ومن يدور فيفلكها والمستفيدين منها- بالترهل والتخمة، ومن ثم أصبحت الغالبية من الأمة حقلاستثمار بشع للقلة الحاكمة.

رفع "معاوية" أيامولايته شعارًا ظن أن أحدًا لايجرؤ على الاعتراض عليه، وهو أن المال مال الله، ولكن"أبا ذر الغفاري" أدرك مرماه الخفي، وأنه أراد أن (يحتجنه دون الناسويمحو اسم المسلمين)([6]) أي يصبح مال الخليفة،لا مال المسلمين؛ لأنه نفسه خليفة الله، ومنذ تلك الفترة وجد انشقاق في مفهومملكية المال بين منهج الخلافة الراشدة، وبين منهج الملك العضوض، وقد قدر لمنهجالملك الانتصار، ومن ثم توقف ضخ المال في أوردة المجتمع تطبيقًا لحقوقه المشروعة،كما توقف  "بيت مال المسلمين" عنأداء وظيفته في ضخ المال في أوردة المجتمع، وأصبح المال في عهد الملك العضوض يصب فيالخزينة الخاصة، لارقيب على تصرفاته، ولا محاسب عليها، وعلى أساس هذا الواقعالجديد أعيدت صياغة حق المال وفق الانقلاب الذي تم، ووفق طبيعة التغلب الذي ساد،فانغلق الباب أمام الحق العام، وانفتح - بمباركة "علماء السلطة"-الحقالخاص، ومنذ تلك الفترة أصبح الحق الخاص- حق الملك -سياسة متبعة عند بقية الدولالكبرى والصغرى، حتى المعارضة منها، ومع أن "الهادوية الزيدية"- قد مسهاطائف من ذلك التأثير، إلا أنها -والحق يقال- بقيت تحافظ على الحق العام أي الوظيفة الاجتماعية ومن ثم بقيت تحتفظبمفهومها لطبيعة وظيفة المال الاجتماعية، ولم تفرط فيه، وظل تحقيق هذه الوظيفةشرطًا في صلاحية الإمام الهادوي الزيدي، فإذا ما أخل بالعدالة الاجتماعية سقطتإمامته، وسّل السيف عليه، وقد طبقت هذه السياسة في مرات كثيرة ومن ثم ابتعدت"الزيدية" عن حقوق"الخليفة- القيصر" المالية.

(4)

وقد بلغ تطبيق نظرية المال الاجتماعية ذروته على يد أميرالمؤمنين "علي بن أبي طالب"(استشهد 41/661)([7])-المصدرالأساس للمدرسة الزيدية-وكان من حوله الصحابة يدعمونه ويدعمهم في هذا الاتجاه،وكان الصحابي الجليل "أبو ذر الغفاري"(ت32هـ/652م) قد كافح من أجل تحقيقالعدل الاجتماعي منذ أن بدأت المِلْكيَّات الكبيرة تفرض اتجاهها منذ أواخر عهدعثمان([8])؛فطالب بإلغاء الإكناز باعتباره احتكارًا إثراءً وتقوية للأغنياء والحكام، وحجزًاللمال أن يتدفق في أوردة الأمة، وعندما رفع عقيرته محتجًّا هاجت عليه هوائج الملاكالكبار والحكام الجدد الذين بدأت تتبلور في أواخر عهد الخليفة "عثمان". لقددفع "أبو ذر" ضريبة مقاومته نفيًا إلى البادية حتى لا يجد لصوته صدى، ولكن صداه بقي يصرخ في فمالمسحوقين عبر التاريخ.

وهكذا يمكن القول بكل اطمئنان إلى أنه منذ أن أطلق"معاوية" (ت60هـ /680م) شعار: المال مال الله بدأ الخط الاقتصادي لخليفةالله في الظهور، وعندما أصبحت السلطة في يد خليفة الله أصبح مال الله حقًّا منحقوقه وحده، وليس لأحد سلطة عليه، ولأول مرة يجمع "معاوية" بين الثروةوالسلطة. لقد انهزمت مفاهيم "أبي ذر"، وانتصر تبديل "معاوية"، ثم مالبث هذا التبديل أن دُيِّن بواسطةعلماء السلطة، وقد حاول بعض الأتقياء مقاومة هذا الخط منذ البداية واستمر حتىاليوم يقاوم بدون أن يصيب نجاحًا واسعًا، وقد لاحظ د."طه حسين" بحق: (أنمن المسلمين من أنكر على بعض العمال أيام عثمان قولهم: إن ما كان يأتي من الفيءويجنى من الخراج مال الله وقالوا: هو مال المسلمين وتعرضوا في سبيل ذلك لبعضالأذى، ولو قد فهم المسلمون نظام الحكم في ذلك الصدر من حياتهم على أنه نظام إلهيلما أنكروا أن يقال مال الله.)([9]). بل قدروي عن "عثمان" قوله في خطبة له: (هذا مال الله أعطيه من شئت، وأمنعهممن شئت فأرغم الله أنف من رغم أنفه، فقام عمار بن ياسر فقال: أنا أول من رغمأنفه، فوثب بنو أمية عليه وضربوه)([10]). وأغلبالظن أن "عثمان" لم يقلها فلم يكن مصطلح خليفة الله قد ظهر بعد حتىيتحكم في مال الله وينزعه من المسلمين، ولعله نسب إليه ليعزز دعوى خليفة اللهعندما رفع هذا الشعارعاليًا، لتكون كلمة حق أريد بها باطل.

يقولالدكتور طه حسين:" (أصبح مال المسلمين ملكًا للخلفاء ينفقونه كما يحبون لاكما يحب الله وفيما يريدون لا فيما يريد الله من وجوه الإنفاق؛ فكان معاوية يشتريضمائر كثير من أهل الكوفة والبصرة ليفسدهم على "علي" ثم ظل على ذلك بعدأن استقام له الأمر، وجعل يتألف قلوب الناس حول عرشه بمال المسلمين لا يرى بذلك بأسًا ولا يرى فيه جناحًا ومضى الخلفاء من بني أميةعلى سنته فأسرفوا في أموال المسلمين، وتجافوا عن سيرة النبي والشيخين وعلي رحمهالله)([11]).

ويقول فيموضع آخر: (وكان إسراف معاوية في أموال المسلمين وتوليته الجبابرة على الأمصاروإسراف أولئك الجبابرة في أموال الناس ودمائهم، كل ذلك كان نقضًا للبيعة التيأعطاها للناس)([12]).

إزاء هذا الانحراف المالي الكبير قام الإمام«زيد بن علي»- مؤسسالمذهب الزيدي(استشهد عام 122هـ/739م)-يناضل دون استلاب حق الأمة في وظيفة مالها الاجتماعية،ودون اختزال المال في شخص الخليفة، فتعهد في عهد بيعته أن يعيد للمال المسلوبوظيفته الاجتماعية، ففي خطبته التي بويع عليها إمامًا عند خروجه-أو بلغةاليوم ثورته- على "هشام بن عبد الملك" عام 122/739، رسم بجلاء إطار سياسته العامة، ولكن الذي يهمنامنها ماجاء فيها حول سياسته المالية، وخلاصة رأيه فيها هو: (إنّا ندعوكم  إلى كتاب الله وسنة نبيه (ص) وجهاد الظالمين [الخروج]والدفع عن المستضعفين [العدل الاجتماعي] وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيئ بين أهلهبالسواء[ العدل الاقتصادي] ورد المظالم ونصر أهل الحق [العدل السياسي] أتبايعونعلى ذلك؟)([13])ومعنى هذا أن المال عنده وسيلة، وليس غاية، أي أنه وظيفة اجتماعية، توصِل إلىتحقيق العدل الاجتماعي المفقود، وأنه عندما تم تعطيل وظيفته الاجتماعية، ترتب علىذلك – في ظل "بني أمية"وغيرهم- احتكار اقتصادي تمثل في عدم توزيع المالبالعدل، وأفضى بدوره إلى ظلم اجتماعي جعل عباد الله خولًا، وأقيم بموجب هذاالإحتكار مجتمع قائم على الفئوية، ومن ثم طالب بإنهاء احتكار الحكّام لسياسةالمال، وإنهاء ما تم إقامته من مجتمع احتكاري، ومن ثم إعادة الدورة المالية الاجتماعيةلتجري في جسد الأمة مجراها الطبيعي، بهدف إزالة الظلم الاجتماعي المتمثل في جعلعباد الله خولًا.

إذا ماأمعنا النظر في جذور هذه السياسة فلا معدى من القول بأنهاتعود إلى الآية الكريمةالتي أنهت بشكل صريح أن يكون المال ﴿دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ([14])حتىلايفقدالتكافل المادي والروحي القائم على البر والتقوى توازنه وتعاونه: ﴿وَتَعَاوَنُواعَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ والقائم على منع التعاون على الضر والإضرار ﴿وَلاَتَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ([15])،وعلى إقامة علاقة تربط المجتمع بعضه بعضًا بقاعدة البر والتقوى، وحتى المشاوراتوالمباحثات يجب أن تقوم على المناجاة﴿بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى ([16])وحتى الآداب والعلاقات الاجتماعية تقوم على هذا الأساس ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا([17])و"مجتمع البر والتقوى" بطبيعته- لو استقر وتمكن- يرفض الاستئثار، ويقبلالإيثار، يرفض الإكناز، ويرحب بالإنفاق ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىتُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ([18]).

ولكن هذهالسياسة قبل "زيد" كانت قد نضب مفعولها وانطوت أعلامها، وحل  التضليل الديني بوجه خاص محلها، وزادت نضوبًاوجفافًا بعد "زيد" حيث بلغ هذا الاستئثار مداه، على يد الخليفةالعباسي "أبي جعفر المنصور"(ت 158هـ/775) عندما وقف في يوم ما على منبر في"عرفة" وخاطب الحجيج قائلًا: بأنه سلطان الله في أرضه، وخازنه على فيئه،يقسمه بإرادته ويعطيه بإذنه وقد جعله الله قفلًا على خزائن الله، (إذا شاء أنيفتحني فتحني لإعطائكم، وإن شاء يقفلني عليه أقفلني) ومن ثم طلب منهم الدعاء بأنيوفقه للصواب ويسدده للرشاد (ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم)([19])، ومن ثم توقف المالعن أداء وظيفته الاجتماعية، وأصبح بكل علانية، وظيفة احتكارية، تصرف في اتجاه واحد؛لتثبيت سلطة واحدة، وقيادة فرد واحد، بعد أن استبعدت الأمة نهائيًّا عن أي دورمشارك، أو حتى مراقب.

وهكذا يتضحأن بني أمية-باستثناء "عمر بن عبد العزيز" (ت101هـ/ 720) ويزيد الناقص(ت126هـ/ 744) – لم يكونوا وحدهم من اجترأ على هذا الحق العام، فقد  تبعهم "العباسيون" أيـضًا حتى ترسخفي أذهان الأمة حق ولي الأمر في الاستحواذ على المال.

وليس من شكأن محاولات زيد المالية لم تنجح، وترتب على فقدان المال وظيفته الاجتماعية أن بقيمتداولًا بين الأغنياء فقط، لاينال منه بقية شبكة المجتمع المستضعف شيئًا، وبحصرالمال بين الأغنياء تحدد مساره ليصب في اتجاه واحد، وهو ما يعبر عنه بوضوحبالاحتكار حيث تحول إلى وسيلة إثراء مقصور، وليس إلى عمل اجتماعي مشاع، كما أريدله في الأصل. ومع ذلك فوسط تلك الانهيارات يبدو ما قامت به السياسة الزيديةالمالية شيئًا متميزًا ومهمًّا.

(5)

إن تعاليمالإمام "زيد"في كتابه "مجموع الفقه الكبير" ورسائله وخطبه،ظلت عبر تلاميذه تقاوم تلك السياسة المالية المجحفة، وكان دمه المراق وقودًا يمدهمبالمتابعة، للوقوف ضد التيار الرسمي القوي ومحاولة رده عن غاياته المدمرة؛ فبقيتفكرة المال كوظيفة اجتماعية، نابضة، وكانت العدالة الاجتماعية في رأس قائمةالمطالب التي تقدم بها خلفاؤه من بعده، قد أصبح تراثًا يعزُّ عليهم التفريط به، ومنثم بقي أئمته العادلون يسعون من أجل إقامة"مجتمع" تتناغم فيه الروحانياتمع الماديات في تكافل وتكامل وتعاضد، طبقًا للآية الكريمة ﴿لَيْسَ الْبِرَّأَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِوَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَىوَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَالصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ([20]).

ومن هناأباحت الزيدية الملكية العامة، لكنها في الوقت نفسه وضعت شروطًا على عقود الملكيةتحت فهم متميز لحديث ((لا ضرر ولا ضرار))([21]).ومفهومها هذا قد استدعى بعض الحاكمين والمترفين والمستغلين - بما فيهم المنحرفونالمنتسبون إلى الهادوية الزيدية- لمحاربة هذا الاتجاه، وباختصار فإن المجتمع الذيأرادته الزيدية مجتمعًا تكافليًّا قد ظل متماسكًا حتى في حالات الانحطاط السياسيومن ثم لم تعرف الزيدية ولا الهادوية نظام الإقطاع أو تمارسه، وليس في الإمكان فيهذا المقال المختصر التوسع في الحديث عن هذه النقاط، لكني أدعو إلى التوسع فيدراستها، والأخذ بمحاسنها، لما فيها من مفهوم يحقق العدالة الاجتماعية على نحوأفضل.

في سبيل الوظيفة الاجتماعية اعتبرت "الزيدية"الدخل الطوعي والإلزامي على مستوى الفرد والمجتمع يصب في الوظيفة الاجتماعية، ومعأن هذه السياسة لم تطبق بالكامل، إلا أنها بكل تأكيد كانت بمثابة  تنضيب للاستغلال الفردي، وعليه يمكن القول بأن"الزيدية" قد وضعت مداخيل المال التطوعية والإلزامية، من صدقات وإنفاقتصب في خانة التكافل الاجتماعي، تبعًا لمفهومها لتعاليم {القرآن الحكيم} الذي حثعلى الصدقات بشكل جلي لا حاجة للإتيان بأدلته لشهرتها، لكن الذي أريد إيضاحه هناأن الحث في {القرآن الحكيم} على هذا الأمر بالذات ليس حثًّا سلبيًّا بمعنى أنالأمر متروك لصاحبه أن يفعل أو لا يفعل، بل هو حث إيجابي: عليه أن يفعل؛ ولأنالإسلام يعتمد على ضمير الأمة فقد ترك كل شؤونه لهذا الضمير الحارس، تاركًا أمرالتنفيذ للأمة أن تخرجه وفق ما تريد ضمن الثوابت، وهذا الضمير حتى في أقسى حالاتالتخلف كان يؤدي بعض أدواره كما ينبغي.

وإلى جانب الصدقات العامة هناك الإنفاق على الوالدينوالأقربين وابن السبيل ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْمِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِالسَّبِيلِ ([22]) وهناكآية مجلجلة هي الحق المعلوم المحدد أوجه صرفه، وهناك آيتان في هذا الموضوع الأولى﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾([23])،﴿وَالَّذِينَ فِيأَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ([24])فهنا حق معلوم محدد لا يقدر أحد من العلماء تأويله بدون افتضاح أمره، ومن ثم عمدبعض الفقهاء إلى تأويله بالزكاة كما ذهب إلى ذلك"محمد بن عبد الله الأندلسي" المعروف بابن العربي (ت543هـ/ 1148م): (والحقالمعلوم هو الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها ، فأما غيرها لمن يقول بهفليس بمعلوم ; لأنه غير مقدر ولامجنس ولا مؤقت)([25]).ولكن هذا التفسير يناقضه تلك الآيتان المحددتان بالسائل والفقير، بينما آية الزكاةمحددة بثمانية مصارف، وأما كلمة معلوم فهي تعني: حق واضح ومعلوم،وقد تشكك الإمام"الزمخشري" (ت 538/1143) بين قولين:(هو الزكاة لأنها مقدرةمعلومة، أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة)([26])،والتفسير بالأوقات المعلومة هو الأقرب لمفهوم الآية الكريمة.

وإلى جانب الصدقات والزكاة والإنفاق على الوالدين والأقربينوابن السبيل والحق المعلوم هنا كالخير العام حيث توجد عشرات الآيات التي تحث وتأمربفعل الخير العام بشقيه المادي والمعنوي،ومن أهم الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوامِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ([27])وربط الخير بالتعاون الاجتماعي ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ([28])﴿وَمَاتُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ([29])﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ([30]).

ويدخل فيهذا السياق زكاة الفطر؛ ولذا فقد وسع الإمام "أحمد بن يحيى المرتضى" (ت840هـ/1436)وقت انفاقها من شروق فجر العيد إلى غروبه، بل ذهب "عبد الله بن حمزة" (ت614هـ/1217)إلى تمديدها لمدة ثلاثة أيام([31])؛ ليكونالوقت مساعدًا للمزيد من الإنفاق في أيام العيد، ولتوسيع الوقت أمام من فاتهالانفاق.

وما نجده من تصريف اجتماعي في الإنفاق التطوعي نجده فيالإنفاق الإلزامي،كالزكاة والخمس والعشر والعفو... إلخ، أي أن المال هنا كما كانهناك يصب في وظيفته  الاجتماعية التيتستفيد منها كل الفئات.

وقد تكون الزكاة أوضح دليل على الوظيفة الاجتماعية: فالزكاةقد ضمنت التكافل الاجتماعي، من حيث إنها لاتحسب من المداخيل للدولة، وإنما تحسبعلى مداخيل الأمة، أي أنها تؤخذ من غني لترد في فقير، فهي تدور في حلقة اجتماعيةمثمرة، ولأنها تؤخذ من الدخل الخاص كالذهب والفضة وحاصلات الزراعة، وما يملك منالإبل والبقر والغنم([32]) فهيتحسب ضمن الإنفاق الاجتماعي، سواء أكان هناك دولة تقبضها أم لم تكن، فهي واجب دينيمثل الصلاة والحج وغيرها، يقوم بها الفرد من ذات نفسه في حال عدم وجود الدولةالعادلة، أو ينفقها بدون واسطتها في حالة عدم وجودها، ضمن أوجه الصرف الثمانيةالمحددة في {القرآن الحكيم}.

وبسبب غايتها الاجتماعية فإنها لاتؤخذ من فقير، ولا تعطىلغني، وعند الإمام "زيد بن علي": (لا يأخذ الزكاة من له خمسون درهـمًا،ولا يعطاها من له خمسون درهـمًا)([33]) وتابعهالإمام الهادي "يحيى بن الحسين" فقال: (لايجوز أن يأخذ الصدقة وله من أيأصناف الأموال ما تجب فيه الصدقة ووجهه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ: "أعْلِمْهمأن عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" فجعل المأخوذمنه الصدقة غنيًّا، والمردود عليه فقيرًا؛ فدل أن كل من أخذت منه صدقة غني حكمافلا يجوز أن يعطى من الصدقة شيئا)([34])،وللفقير أن يأخذ من الزكاة مقدار حاجته، وعلى قدر عدد أفراد عائلته([35])،فالحاجة هنا هي ما ينظر إليها في الأساس، والذي يلفت النظر أن الزكاة لاتعطى لكفنميت، ولا لبناء مسجد؛ لأن هذا المال هو في منفعة المحتاج الحي، وقد علل شارح"المجموع الكبير" سبب ذلك فقال: (والوجه في ذلك أن الزكاة أوجبها اللهعز وجل كمواساة للفقراء وسدًّا لخلتهم ودفعًا لحاجتهم، وكذا من في مصيرها إليهمصلحة عامة أو خاصة كبقية الأصناف الثمانية..ولا يصدق الكفن وبناء المسجد على شيءمما ذكر)([36])،وهذا ماذهب إليه كبيرا أئمة الزيدية في "طبرستان" "الناصرالأطروش" (ت304هـ/917) والمؤيد بالله (ت421/1030) أيضًا، ووافق"زيد" على ذلك الأئمة "مالك" و"أبو حنيفة"  و"الشافعي"بينما أجازهما غيرهم([37]).

ولأن المالوسيلة انتفاع للمسلمين؛ فالحاجة هي المرجعية هنا، ومن ثم فللغني نفسه أيضًا- فيحالة احتياجه حق فيها عندما تنقطع به الطريق، ولم يجد مالا يصرفه، وحتى لو أمكنهالقرض فإن له ماينقذه  من الزكاة([38])وكذلك الحال مع "ابن السبيل" فله أن يأخذ منها ما يستعين به للوصول إلىوطنه، فإذا لم يسافر، فعليه إرجاع ما أخذ من الزكاة([39]) لتعطىلغيره، فهنا انتفت الحاجة وبطلت المساعدة، فالمال إذن حاجة اجتماعية، وغذاء يقدملمن يحتاج إليه.

ولهذا السببتمنع الزيدية دفع الزكاة إلى إمام ظالم؛ لأن في ذلك تقوية له على ظلمه (كدأب الذينيعينون الظالمين ويقيمون دولتهم بزرعهم وتجارتهم..ولولا التجار والزارعون ما قامتللظالمين دولة ولا ثبتت لهم راية)([40]). ونصَّحافظ الزيدية "أحمد بن عيسى" حفيد الإمام "زيد" (ت247هـ/861)على منع إعطاء الزكاة إلى ظالم: (من كان له ما يجب فيه الصدقة فأمكنه ألَّايعطىالإمام الجائر شيئًا فلا يعطه وليصرفه فيما سمى الله)([41])،وكذلك قال الإمام "القاسم بن إبراهيم": (ليس على أحد في ماله من عين أوأرض أو عقار، إلا ما فرض الله عليه من الزكاة من الفرض، ولا يعمل حتى يقوم إمامعدل فيدفعها إليه، أو يتحرى صاحبُها أهلَها فيدفع إليهم الزكاة)([42]).

وتبعًا لرأيأمير المؤمنين "علي" أن المال المغصوب لايضيع حتى لو توزع في أصلابالرجال رفض "الهادي" وأتباعه فكرة الأرزاق الجبرية، أي تلك التي يغتصبهاالظالم باعتبارها رزقًا ساقه الله إليه، فأرسى هو وعلماء مذهبه -كما يقول د"محمدعمارة"-: (في قضية الأرزاق قاعدة فكرية هامة نستطيع أن نستخرج منهاالعديد من النتائج، منها ما يتعلق بالعدالة الاجتماعية عندما نلاحق مغتصبي أموالالفقراء، رافضي الاعتراف بوجود حقوق لهم فيها، مهما طال الأمد على تاريخ الاغتصاب،وتوالت من بعد الجيل أجيال الأبناء والأحفاد)([43]).

ولأنهاوظيفة اجتماعية وكونها منافع بين الناس فإن الزكاة لا تدفع لمن لا يصرفها فيمنافعه أو منافع المجتمع، كأن تدفع إلى فقير فاسد عابث؛ لأن دفع الزكاة إليه تقويةله على فسقه وفجوره ومشاركة له في إفساده، ولأنها كذلك فإن للمالك -إن لم يوجدإمام عادل، أو كان موجودًا، لكن ربُّ المال في غير جهة ولايته ولا يقدر علىحمايته- الحق أن يصرفها حسب الحاجة الاجتماعية([44]).

ونأتي الآنلوظيفة مال العفو وهو ما تجاهله الناس ولم يعملوا به وتأولوا فيه بالرغم من وجودنص قرآني واضح وصريح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ([45]).والعفو لغة كما يقول "ابن منظور" (ت711هـ/1311): (عفو المال ما يفضل عنالنفقة) وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾،وقال "الجوهري"(ت393هـ/1003) في "الصحاح" (العفو: الأرض الغفلالتي لم توطأ وليست بها آثار. وعفو المال ما يفضل عن النفقة. يقال: أعطيته عفوالمال، يعني: (بغير مسألة)([46]) وقال"الأزهري": (ت370/981): قال ابن السكيت: (عفو البلاد ما لا أثر لأحدفيها بملك) وقال: عفو الماء: (ما فضل عن الشاربة) ([47])،وقال: (الأصل فيه أن العَفْوَ في موضوع اللغة: الفضل، يقال: عفا فلان لفلان بماله،إذا أفضل له، وعفا له عما عليه إذا تركه)([48]) وقالأبو عبيدة عن أبي زيد يقال: (أكلنا عفوة الطعام: أي خياره)([49])وبالطبع فأنا لا أقصد هنا بالفائض المفهوم الاقتصادي باعتباره أساس النمو فيالرأسمالية، والفكرة الجوهرية التي دارت حول توزيع الماركسية والذي يعتبر تراثًاضخمًا في الفكر الأوروبي الاقتصادي المعاصر، وإنما أقصد به مازاد على حاجة الغني،وربما يأخذ هذا الفائض شكل الضريبة التصاعدية لمن يريد أن يجتهد فيه.

وقد أخذالإمام "الهادي" بهذا النص في سياسته المالية وخصص إنفاقه في مصالحالناس والدفاع عن حقوقهم، فرأى أن (الإمام الحق العادل المستحق له أن يأخذ منأموال المسلمين العفو من أموالهم، اليسير الذي لايضرهم، فيرده على صلاحهم، وصلاحبلدهم، يدفع العدو الفاجر عن أموالهم وحرمهم ودمائهم، أحبو أم كرهوا، أطاعوا أمأبوا)([50]).

والعفو عندالهادي يعني الفائض الذي لايضر صاحبه،وهو ليس من باب التطوع، وإنما من باب الواجبأحبوا أم كرهوا، وإلى مثل هذا المعنى ذهب الإمام "الزمخشري"-وهو منمعتمدي الهادوية الزيدية- إلى أن (العفو نقيض الجهد وهو أن ينفق ما لايبلغ انفاقهمنه الجهد واستفراغ الوسع)([51])، وقدبلغ مال العفو تطبيقه على "المطرفية الزيدية" حيث طبَّقتهُ على نحو رائعفي تعاملها مع بعضها بعضًا([52]).

 لكن بعض المذاهبالأخرى ألغت هذا المصدر المالي الصريح الواضح من الأساس فذهبت إلى القول بأن مالالعفو قد نُسخ بالزكاة، والقول بالنسخ يتناغم مع مجتمع كانت قد تمت إعادة صياغته وتبدل فيه كل شيء تبديلًا،وسيطرت فيه التبديلات والتحويرات؛ فلا يستغرب إذن ألا تبقى آيات العدالة الاجتماعيةسليمة وسط مجتمع تبدل، مع أن آية النسخ الواردة في الآية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْآيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا([53])لا تعني نسخ الآيات القرآنية، وإنما الآيات الكونية التي تتناسخ في عملية تطورهائلة يأتي الأفضل فينسي الأول بما يحل محله من إبداع. أما {القرآن الحكيم} فليسفي آياته ما هو حسن وأحسن حتى يأتي الله بخير منها أو مثلها، وإنما هو نبع واحد،ولو كان فيه حسن وأحسن لما كان معجزًا، وعندما تحدى الله  البلغاء العرب أن يقلدوا آية منه ما استطاعوا،ولو كان فيه آية أحسن من أخرى لنفذوا -وهم يعرفون أسرار البلاغة- منها إلىمعارضته؛ فالاحتجاج بآيات منسوخة إنما هو احتجاج بشيء لا وجود له. والقول بنسخ الآياتتشكيك بعلم الله، وتضعيف للإعجاز.

كما يدخل فيسياق تفسيرات المتغيرات القول بأن الانفاق على الوالدين والأقربين واليتامى وابنالسبيل، على قول "ابن كثير": عن مقاتل: أن (هذه الآية في نفقة التطوع)([54])أي أنها من الكماليات والمبادرات الشخصية كما يفهم الآن، وما ذهب إليه"مقاتل" ليس تطوعًا، وإنما هو واجب ديني أيضًا، والنظرة الإنسانيةالشاملة في هذه الآية تسلك الأقرباء والأبعداء في سلك واحد ولا تفرق بين الوالدينوابن السبيل، على أن التطوع أصلًا قائم على التزام أخلاقي محتم؛ إذ أن قانونالضمير الجمعي كان يحوله إلى فعالية ملزمة، ألا ترى أنه لما دهمت المجاعة الناس فيعام الرمادة أمَرَ الخليفة "عمر بن الخطاب"(ت23هـ/644) -بموافقة"الصحابة"- بأن يشارك الفقراء موائد الأغنياء فتحول التطوع إلى واجب،وكذلك عندما أحس "الصحابة"أن ضمير كبار الملاك قد بدأ يغفو عن ممارسةدوره التطوعي فأعلن الخليفة- ووافقه كبار الصحابة- أنه لو استقبل من أمره مااستدبر لأخذ من أموال الأغنياء وردها لصالح الفقراء، وقرر أنه سينفذ هذه السياسةمن العام القادم، ولكنه استشهد قبل في ذلك العام الحزين، فواضح أن التطوع إلزامأخلاقي، إن لم يقم به صاحبه قامت به الأمة الحاكمة، وبناء على اجتهادات الصحابةاستنبط العلماء "المصالح المرسلة" التي تخضع المال الخاص للمصلحة العامةوفق الحاجة.

وأخيرًاباختصار فإن مداخيل المعادن المالية كمعادن الذهب والفضة والرصاص والحديد والزئبقوالنحاس والغنائم والكنوز([55]) يخضععند "الزيدية" لنفس الوظيفة الاجتماعية، وليس لصالح الدولة، دع عنكالفرد، وهذا يتفق زيديًّا في المسار العام مع ما أكده "عمر بن عبدالعزيز" في إصلاحاته المالية (على أن الأراضي الخراجية وقف على الأمةالإسلامية، وأن الخراج إيجار للأرض لا ضريبة على الذميين)، وهذا النظام (يصدر منروح التنظيم الذي بدأه "عمر بن الخطاب"وإن اختلف في التطبيق لاختلافالظروف، وفي هذا إثارة جديدة للأشراف العرب)([56])من أصحاب الملكيات الكبيرة.

(6)

نأتي الآنإلى الفقرة الأخيرة من هذا البحث لنسأل: هل طبقت "الزيدية"و"الزيدية الهادوية" أفكارها تلك؟

الجواب يتضحمن خلال ماطبقه الإمام الهادي "يحيى بن الحسين"عندما دخل"اليمن" عام 284هـ/897 مَدْعُومًا من قبل بعض القبائل اليمنية، وداعيًاإلى مذهبه.

بمبايعةالناس له أميرًا للمؤمنين أقام الدولة الزيدية في "اليمن"، ومن ثم أصبحتهذه الدولة محكًّا لتطبيق أفكار "الزيدية"، ومحاسبةً عليها،وكانت هناكدولة زيدية في "طبرستان" بقيادة "الحسن بن زيد" (ت 270هـ/884)،سبقتظهور هذه الدولة اليمنية، لكننا لن نتحدث عنها في هذا المقال، مع العلم أنها لا تخرجفي أفكارها عن مضامين الزيدية إلا بالاجتهادات المستجدة خاصة على يد الناصر"الحسن بن علي الأطروش"(ت304هـ/917) ويمكن القول إن الحديث عن وظيفةالمال الاجتماعية عند "زيدية اليمن" يتناول ضمنًا الحديث عنه عند"زيدية طبرستان".

وسأكتفي هنابالحديث عن الخطوط العريضة للسياسة المالية والزراعية على نحو ما طبقه الإمام"الهادي" والتزم به أتباعه حتى الظلمة منهم لنعطي من خلال التطبيقتوثيقًا للنظرية الزيدية كما عبر عنها أمير المؤمنين "زيد بن علي" فيخطابه الشهير وفي مجموعه الكبير، وفي تعاليمه، وفي رسائله وكتيباته، وحملها منبعده الأئمة العادلون.

ولكي نعرفالفارق بين تطبيقات الإمام "الهادي" في المعاملات المالية وبين تطبيقهاأيام الخلافة العباسية أوان ظهور الإمام "الهادي" -وكانت "ولايةاليمن" لا تخرج عن تلك السياسة المالية- نكتفي هنا بما ذكره "الطقطقي" من أن (الولاة يُرشون  الوزراء ليظلوا في ولاياتهم، ورجال الحسبةيمارسون الرشوة والاختلاس وهم يقومون بالرقابة على التجار)([57])،ونقل د " شايف"، عن ديوان ابن المعتز-وقد كان خليفة عباسي ليوم واحد-صورة قاتمة لطريقة الجباية فقال: (وأما جامعو الخراج والضرائب فقد كانوا يقومونبضرب أصحاب الأملاك وسحبهم على وجوههم وتعليقهم من أيديهم وأرجلهم، كي يحصلوا منهمعلى كل مايريدون من الأموال بحجة أنهم يأخذون منهم حق المسلمين في أموالهم، بينمايذهب معظم هذه الأموال إلى جيوبهم وجيوب من عيّنوهم)([58]).

على العكسمن هذه التصرفات كانت سياسة الإمام "الهادي" المالية، التي-كما يقولالإمام "أبو زهرة"- قامت على (توزيع العدالة الحقيقية بين ربوع اليمنليكون الاطمئنان والاستقرار، فلا يطمئن الناس إلا إلى حكم عادل يشعرون فيهبالعدالة، وقد عمل على نشر العدالة بكل شعبها وعلى رأسها العدالة الاجتماعية،ولذلك نظم بيت المال وجمع الزكوات والجزية ووزعها بين أهلها، وأوجب صرف ربع ما يجمعبين أهل القرية التي جُمعت الزكاة منها، وسار في تنظيم بيت المال إلى أقصى مداه)([59]).

وكان "الهادي" عندما يبعث الخرّاص لتقدير الثماركان يختار الأعدل والأكثر خبرة بالخرص، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق في أن يتحرواالحق ويجانبوا الظلم، ويتوثق هذا القول من جوابه على "الحسين بن عبد اللهالطبري" يشرح له سياسته هذه بقول:(فإن شكا أحد من الناس بعد ذلك غبنًا فيماخرص عليه وحرز استحلفناه على ما أتى من ثمره وصدقناه وأخذنا منه  على ماحلف عليه وتركناه) وأعفاه من الزيادة مماقدره الخراص([60]).

ولأن للمال وظيفة اجتماعية عنده فقد رفض أن يأخذ أموالالناس بالباطل، ولهذا قال ردًّا على أصحابه عندما قالوا له: (إن كنت إنما تأخذ منثلاثة وثلاثين فرقًا، وثلث من عشرٍ ونصف عشر، فليس يجتمع من هذا شيء أبدًا) فردعليهم بحسم(لا أجمع من هذا شيئًا أبدًا، والله لو التقت هذه وهذه -يعني السماءوالأرض- علي حتى تختلف أضلاعي، ما أخذت غير الحق أبدًا)([61])،وأتبع الأعمال الأقوال فألغى- كما يقول المقدسي- (كافة الضرائب والإتاوات التي كانيفرضها على عباد الله أمراء الظلم ومشايخ الجور، ولم يأخذ من التجار شيئًا سوىالزكاة)([62])؛فالهدف من الوظيفة المالية هو الإسعاد لا الإشقاء.

والتفت إلى السياسة الزراعية فنظّم العلاقة بين المالكوالشريك على قاعدة الأرض لمن يحرثها، لكن علماء الزيدية خفّفوا من صعوبة تطبيقهافذهبوا إلى اختيار نظام الشراكة بديلًا عنها، فاختارواالطريق الأكثر نفعًا والأقلضررًا، فرفضوا نظام القبال والإيجار كما يطبق في "اليمن الأسفل" وتجيزه"علماء الشافعية"؛ وباختيار نظام الشراكة تم التخفيف من حِدة الأرض لمنيزرعها، عملًا بقاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، بخلاف ما يولده نظام القبال والإيجار في«اليمن الأسفل» من أضرار تكرسه قاعدة: (للمالك في ملكه ما يشاء).

إن نظام القبال يقوم على دفع ضريبة معينة عن الأرض أغلت أولم تغل، ومعنى ذلك: أن على الفلاح الأجير أن يدفع ضريبته المتفق عليها حتى فيمواسم الجفاف والقحط، وهذا يجسد جانبًا من مظالم الفلاح، أما نظام الشراكة فإنهيقوم على جهد الشريك ومال المالك، وهناك نِسب معينة للدفع مقابل نسبة معينة للجهد؛فإذا دفع المالك كل المال فيتقاسم مع الشريك المحصول بالسوية، أما إذا كان الشريكسيشارك في بعض المال فإنه سوف يأخذ الثلثين، وإذا كان الشريك سيدفع الغرامات كلهاوالمالك يقدم الأرض فقط فإن الشريك سيستأثر بالناتج باستثناء السدس للمالك مقابل ملكيةالأرض، بالإضافة إلى ذلك فالشريك الزيدي مسلح ببندقيته ومحمي بقبيلته، ضمن أَحلافوروابط قبلية تمنحه حقوقه إلى درجة اغتصاب حقوق المالك إذا لزم الحال في بعضالحالات.

وقد رضـي الشريك والمالك بهذه التسوية خوفًا من أن تطبقعليهم القاعدة الإسلامية التي رواها الإمام «زيد»عن «علي» عليهما السلام واعتمدها،والتي تنص على: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قبالة الأرض بالثلثوالربع، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كانت لأحدكم أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه)([63])،وبناء على هذا الحديث النبوي تم اختيار قاعدة الشراكة المعمول بها حتى الآن عند"الزيدية الهادوية"، قياسًا على أن «النبي الكريم» أجاز الشراكة فيأموال «خيبر» على النصف في نفس الإنتاج،وعليه أجاز الإمام «زيد» المزارعة([64])وبذلك اعتمد نظام "الشراكة وحرِّم "القبال"، في "اليمنالأعلى"، بينما أبيح"القبال" في "اليمن الأسفل" ولميمسسه أي تحريم، ولا نستطيع أن نفصل تبني «اليمن الأعلى» نظام الشراكة عن طبيعةفكر الزيدية الثوري المعبر عنه بالخروج، كما أن تبني علماء الشافعية في «اليمن الأسفل»نظام القبال كان نتيجة لعلاقة المذهب بمفهومه السياسي.

وفى حين أنهى "نظام الشراكة" المشكلة بين الفلاحوالمالك على نحو رضي به الطرفان في "الشمال"، ضاعف "نظام القبال"إرهاق الفلاحين في "جنوب الشمال"؛ ولهذا لم يكن هناك ملاك مستغلونللفلاحين في «اليمن الأعلى»، في حين بقي الاستغلال قائمًا في «اليمن الأسفل»، وإذبقي الفلاحون في «اليمن الأعلى» يواجهون فقط ظلم الدولة، واجَهَ الفلاحون في«اليمن الأسفل» ظلم الملاك والدولة على السواء، ونتج عن جباية هذين النظامين: نظاميوفر للشريك وضعًا أفضل، ونظام يشكل على الأجير وضعًا أسوأ.

من ناحية ثانية رفضت "الزيدية الهادوية" نظام الجبايةوالضمان، أو بتعبير آخر نظام الالتزام، وهو نظام قديم جدًّا، وله طرق كثيرة، وقدحاول الإمام المتوكل على الله «إسماعيل بن القاسم» (ت1087/1676) أن يفرضه عام 1077/5-1666على"أهل الحيمة"، وكانت قبل ذلك تساق أمانة ([65])،لكنه عاد-بضغط علمائه-في الحصاد التالي فتراجع عنه (ورفع المجابي والقبالات واقتصرعلى ماكان يؤخذ من قبل في السنين الماضيات)([66])، ويبدولي أن نظام الالتزام أو الجباية أوالضمان-وهي صيغ متعددة لنظام واحد سيء هو نظام الالتزام-  تجذر في «اليمن الأسفل» في ظل «العثمانيين»نتيجة للاتفاق السياسي الذي عقد بين «القيادة العثمانية» و«مشايخ المنطقة» والذيقضى بتبادل الولاء والمصالح، وإذ اكتفى «العثمانيون» بالتزام الشيخ بمبلغ معينيدفعه للحكومة باسم الزكاة والواجبات، تركوا له الحرية في أن يأخذ ما يشاء منحاصلات الفلاحين كما يشاء، وبهذه الطريقة اغترف الشيخ باليدين حتى أثرى ثراء عريضًا،ولكن على حساب الفلاحين، وهذا مالم يحدث مثله في "اليمن الزيدي"، والحقأن نظام القبالة عبء ثقيل على المحكومين به، ولابد أن تتم معالجته دينيًّا باجتهادجديد يبطل الاجتهاد السابق، في حين أن الشراكة –وهو نظام ديني أيضًا- لايحتاج إلىمثل تلك الحاجة؛ لأنه لايشكل مثل تلك الفداحة.

وقد ساعد على تقبل "نظام الشراكة" تطبيق الإمام"الهادي" في الوقت نفسه لنظام "اللامركزية الإدارية" فيالأراضي التي حكمها، وفي العهد الذي  أعطاهلولاته فصَّل لهم فيه ما يأخذون من الجباية من الناس وما يدعون لهم، وأمرهم أنه عندمايستوفي جمع الزكاة فعلى كل أمير أن يفرق ربع ما جمع من الطعام في مساكين بلده وقال:(لو وسع الله علينا وعلى المسلمين لعزلنا للمساكين نصفه ولو استغنى المسلمون عنهلدفعناه إلى المساكين كله)([67])، ثمأمر الولاة أن يأخذوا من الزكاة ما يحتاجون إليه من مؤنة وأسباب، وما بقي منه يفرَّقحسب الحاجة في بلده([68])، ويرفعالباقي إلى "صعدة".

وهكذا يتضح أن "نظام الشراكة"  و"اللامركزية الإدارية" قد دعمتابعضهما بعضًا في فترات، لكن تغلب "الدولة المركزية" -فيما بعد- أنهى"اللامركزية" لكنه لم يتمكن من أن يُنزل بالشراكة أي ضرر.

وتبعًا لأن للمال وظيفة اجتماعية تنفق ولا تخزن؛ فقد رفض"الهادي" قبض زكاة من لا يقدر على حمايته، وهذا يؤكد أن المال ليس غايةوإنما وسيلة، ليس جمعًا لمنافع خاصة، وإنما إنفاقًا لمصالح عامة.

(7)

ولكي تحمي "الزيدية" الوظيفة المالية الاجتماعيةمن التجفيف، فقد اعتمدت سلسلة من الإجراءات اللَّازمة لحماية المال من أن يتحولإلى ملكية خاصة، ومن أهم هذه الإجراءات تحريم الإكناز الذي هو عند التحقيق مَهْربالأغنياء الذي يأوون إليه، فحرمه {القرآن الحكيم} تحريمًا قاطعًا. لا باعتبارهمالًا سجينًا فحسب، بل ولأنه يركز الثروة في يد واحدة، ويحرِم المجتمعَ من السيولةالضرورية أي الخير العام، ويعتبر بحق صدًّا عن وظائفه الاجتماعية، وقبضًا عنالتعامل بالمعروف. وقد أدرك "أبو ذر" ضرر الإكناز أمام نشوء الملكياتالكبيرة فنادى (يامعشر الأغنياء واسوا الفقراء، بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نارتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم)([69]). وقدأثار الملاك الكبار والكانزون زوبعة من التشكيك في موقف "أبي ذر" هذا؛فاتهم بأنه وقع تحت تأثير رجل غامض يسمى "ابن السوداء" و"ابنالسوداء" هذا كان قد تأثر بـ "مزدكية العراق" أو "اليمن"وأن "أباذر" اعتنقها بحسن نية([70]). ولنأدخل في نقاش حول صحة وجود "ابن السوداء" من عدمه، لكني أقول إن"أبا ذر" انطلق في دعوته من صريح {القرآن الحكيم}: ﴿وَالَّذِينَيَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْبِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىبِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمِْلأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ([71])لا من "مزدك" ولا من "ابن السوداء" المزعوم،وهذا وحده يكشفعوار التزييف الذي تعرض له "أبو ذر" وهكذا يتضح من مدلول الآية الكريمةأن تحريم الإكناز جاء لما يسببه من تجميد مقصود يمنع  سريان المال في أوردة المجتمع كله.

وفي الوقت نفسه تبنت "الزيدية" في سياستهاالمالية منع تبذير المال، وانفاقه بطريقة مضرة، تبعًا للحديث (يجيئ أحدكم بمالهكله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقات عن ظهر غنى")([72])،واعتمادًا على نهي الرسول عن إنفاق كل المال. يقول الإمام "الزمخشري":(وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلًا أتاه ببيضة من ذهب أصابها في بعضالمغازي؛ فقال : خذها مني صدقة فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه منالجانب الأيمن فقال مثله فأعرض عنه، ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه فقال:هاتها مغضبًا فأخذها فخذفه بها خذفًا لو أصابه لشجه أو عقره ثم قال: يجيئ أحدكمبماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس. إنما الصدقات عن ظهر غنى")([73])وبهذا التوازن بِدْءًا بالنفس والأهل وانتهاء بالمجتمع ينعدم التكفف، وتنعدم أسبابهذه التكفف.

(8)

والخلاصة: المال وظيفة اجتماعية،وتوازنية وسطية

لابد من الاعتراف بأن تلك المبادئ لم تطبق كلها تطبيقًاتامًّا، وإنما تفاوت التطبيق من مبدأ إلى آخر، لكن الشيء المؤكد أن"الزيدية" كانت من أكثر المذاهب رقابة على نظرياتها من غيرها؛ فهي لمتخضع مبادئها لرغبة الحكام الظلمة، ولا فسرتها لتتمشى مع سياستهم بالشكل الذيانساقت إليه معظم المذاهب الأخرى، كمثل ماصنع "علماء السلطة". صحيح أن"الزيدية الهادوية" قد أعطت الإمام صلاحيات مالية واسعة، إلا أنها أبقتللعلماء حق مراقبته ومحاسبته والخروج عليه. إن الحفاظ  على مبدأ الخروج على الإمام الظالم، قد أبقىالرقابة سيفًا مسلولًا على يد الظالم، حيث إن الإمام يعرف تمام المعرفة أن رقابةالأمة من خلال علمائها بوجه خاص لا تسمح له بالعبث بسياسة المال، أو احتكاره، أوصرفه في غير مجراه، فالاستئثار في المال كالاستئثار بالرأي- أي ترك الشورىالملزمة- يوجبان الخروج على الإمام، وقتاله، وقتله إن لزم الأمر، وبهذه الرقابة،وبهذا الحق الخروجي جعلت الإمام الهادوي الزيدي- حتى بعد أن أصبحت له حقوق ماليةمجحفة بتأثير تراكم الواقع السياسي المنحرف- يخاف مغبة تصرفاته، وسوء منقلبه،وجعلت تصرفاته -بالقياس بغيره من أئمة أو سلاطين أو ملوك المذاهب الأخرى- أقلظلمًا وأقل سوءًا.

ومن الإجحاف القول بأن "الهادوية الزيدية" لمتتأثر في هذا الموضوع بالمذاهب الأخرى، لقد تأثرت في جوانب، لكن بالرغم من ذلك فقدبقي العدل المالي شرطًا أساسيًّا لشرعية حكم الإمام،  فإذا ما أخل بالعدل وحكم بالظلم فقد بطلتإمامته ووجب الخروج عليه، حتى ولو بقي متربعًا على عرش، فهو عرش يعرف قبل غيره أنهمغتصب، وأنه غير شرعي، وأن حكمه على أهل مذهبه باطل، وأنه ليس بإمامهم، وهذا مايميزها عن بقية المذاهب التي جعلت الطاعة للإمام برًّا كان أو فاجرًا واجبة ولايجيز الخروج عليه ما أقام الصلاة، كما أن علماء الهادوية لم يسعوا في نقض أي شرطوكلما فعله الضعفاء منهم أنهم انكروا أن الإمام قد بدل قاعدة أو غير مبدءًاوأجهدوا أنفسهم في تبرير أعماله ولم ينقضوه كما فعل علماء سلطة الدول الأخرى، مماأدى إلى الحفاظ على المبدأ وإن لم يطبق.

    يتضح مما سقناهمن ذلك الاستعراض الموجز أن "وظيفة المال عند الزيدية" وظيفة اجتماعيةتتزين بها الحياة بكل آفاقها ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِالدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ ([74])فالآية هذه تربط المال والبنين بزينة الحياة أي فنيّتُها. والمال لا يكون شيئًاصالحًا ما لم يعمل في سبيل تزيين الحياة، والبنون لن يكونوا زينة البيت وعمارته مالم يكونوا صالحين، وإذن فإن الزينة تختفي من البيت إن كان الأب مكنزًا أومستأثرًا، وتغيب من المجتمع إن كان الرجل مكنزًا أو مستأثرًا، لأنهما يحصران الخيرفي أسرةٍ واحدة، ويمنعان الحق العام من المشاركة في الباقيات الصالحات التي هي خيرعند ربك ثوابًا وخير عند الناس أملًا.

وفي الوقت الذي حرمت فيه الاستئثار والإكناز حتى لا يتكفف الآخرون، منعت المالك من أن ينفقكل ماله حتى لا يقعد في منزله يتكفف الناس، والآية التي تقول: ﴿وَإِنْ كَانَذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ([75])فيها صورة للتكافل الاجتماعي المزدوج، حيث قضت الآية بأن رد الدين من المعسر لا بدمنه، ولكن عندما تتيسر أموره، ثم عطف -بلين وتحبيب- إلى أنه لو تمت مسامحة المدينلكان خيرًا وأجرًا، فالدعوة إلى الصدقة بمعنى المسامحة فيها تخفيف عن معسر سيتكففالناس بالضرورة إن لم يُعف عنه أو يُنظر إلى ميسرة، وهكذا يتضح أن التوازنية بدءًابالنفس والأهل وانتهاء بالمجتمع تعدم التكفف وتعدم أسباب هذه التكفف.

ضمن هذه الصورة المتألقة طبق الإمام "علي" منعالإكناز فكان-بموافقة "الصحابة" و"أمين بيت مال المسلمين- يصفي"بيت المال" وينفق الفائض على المستحقين، وكان "أبو ذر" يرفععقيرته بتحريم الإكناز، ويأمر بتوزيع العفو، أي الفائض، وواضح أيضًا مما تقدم أنالزيدية تجيز الملكية، ولكنهاتضع شروطًا دقيقة حول عقود الملكية حتى لا يكون هناكطغيان واستئثار، والإكناز كما قلنا يخل بعقود الملكية من حيث إنه يحتجز الزائد،ومن ثم تنضيب السيولة، فيلحق الضرر بالمجتمع، ومنذ أن بدأت الملكيات الكبيرة تتوسععلى عهد الخليفة "عثمان" كحال "طلحة" و"الزبير"-وهمامن كبار الصحابة- وغيرهما، أصبح الإكناز ضرورة للتملك، ومن ثم استُبِيح تأويل آياتالعدالة الاجتماعية لصالح الملكيات الكبيرة([76])، فكانالمقت الكبير.

* * *



 (*) رئيس التحرير، مؤرّخ وباحث، له العديد من المؤلفات.

([1]) توسعت في شرح هذه القضية في كتابي "الفردية: أزمة الفقهالسياسي عند المسلمين".

([2]) أخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال لما بويع أبو بكر أصبح وعلىساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق فقال عمر: أين تريد؟ قال: إلى السوق. قال: تصنعماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقال: انطلق يفرض لك أبوعبيدة، فانطلقا إلى أبي عبيدة، فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهمولا أوكسهم وكسوة الشتاء والصيف إذا أخلقت شيئًا رددته وأخذت غيره، ففرضا له كليوم نصف شاة وما كساه في الرأس والبطن. وأخرج ابن سعد عن ميمون قال لما استخلف أبوبكر جعلوا له ألفين فقال: زيدوني فإن لي عيالًا وقد شغلتموني عن التجارة فزادهخمسمائة(www.omelketab.net/)

([3]) طه حسين، الفتنة الكبرى:عثمان، دار المعارف بمصر. الطبعة التاسعة، بدون تاريخ، ص 190.

([4]) انظر : كتابي "الفردية: أزمة الفقه السياسي عندالمسلمين" فقد توسعت في دراسة ما حدث بتفصيل وتوثيق.

([5]) انظر هذه القواعد في : عبد الله بن مفتاح، شرح الأزهار من الغيثالمدرار، القاهرة: طبعة حجازي شعبان 1377، صص46- 48. وانظرها حسين أحمد السياغي،أصول المذهب الزيدي اليمني وقواعده، صنعاء: مكتبة عبد الله إسماعيل غمضان إحياءالتراث اليمني، دمشق: مطبعة عكرمة. يناير 1984م.

([6]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت: دار صادر، دار بيروت 1385/1956م، ص115.

([7]) انظر صورًا من عدالته الاجتماعية في كتاب جورج جرداق، علي صوتالعدالة الإنسانية في خمسة أجزاء.

([8]) انظر تلك الملكيات في طه حسين عثمان في أماكن متفرقة، والفردية،للمؤلف.

([9])طه حسين، الفتنة الكبرى :عثمان، ص22-27.

([10]) ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، بيروت: دار المسيرة، بدون تاريخولا ذكر الطبعة، ص 106.

([11]) طه حسين، مرآة الإسلام، دار المعارف. الطبعة السابعة. بدون تاريخص232.

([12]) طه حسين، الفتنة الكبرى علي وبنوه، دار المعارف بمصر. الطبعةالتاسعة. بدون تاريخ، ص196.

([13]) محمد أبو زهرة، الإمام زيد حياته وعصره-آراؤه وفقهه، القاهرة:مطبعة أحمد مخيبر، بدون تاريخ ولا رقم الطبعة ص 56-57.

([14]) الحشر الآية رقم 7.

([15]) المائدة الآية :2.

([16]) المجادلة الآية: 9.

([17]) البقرة الآية: 189.

([18]) آل عمران: 92.

([19]) انظر خطابه في:جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، بتحقيقمحمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة: مطبعة الشادة، الطبعة الأولى1371هـ/ 1952م،ص 263 .

([20]) البقرة الآية: 177.

([21]) أخرجه الإمام أحمد.

([22]) البقرة آية 215 .

([23]) الذاريات، آية 19.

([24]) المعارج، الآيات 24- 25.

([25])www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php

([26]) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوهالتأويل، بيروت: دار الفكر ، بدون تاريخ، ج 4،ص156.

([27]) البقرة آية 215 .

([28]) البقرة آية 272 .

([29]) البقرة آية 272 .

([30]) آل عمران آية 115.

([31]) عبد الله بن مفتاح، شرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار،القاهرة: مطبعة حجازي، الطبعة الثانية، شعبان 1357هـ ، ج1، ص 548.

([32]) الحسين بن أحمد السياغي، الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير،الطائف: مكتبة المؤيد، الطبعة الثانية 1388هـ/ 1968،ج 2، صص20-621.

([33]) السياغي، الروض النضير ، ،ج 2، صص601.

([34]) السياغي، الروض النضير ، ،ج 2، صص602.

([35]) الهادي، الأحكام في الحلال والحرام ج1 ،ق40 –أ. نقلًا عن عبدالفتاح الإمام الهادي، ص226.

([36]) السياغي، الروض النضير ، ،ج 2، صص621-622.

([37]) السياغي، الروض النضير ، ،ج 2، صص621-622.

([38]) عبد الله بن مفتاح، شرح الأزهار ،ج 1 ص517.

([39]) عبد الله بن مفتاح، شرح الأزهار ،ج 1 ص534.

([40]) الإمام يحيى بن الحسين، رسائل العدل والتوحيد، دراسة وتحقيق محمدعمارة، القاهرة: دار الهلال، بدون تاريخ، ولا رقم الطبعة،ج2،ص 13.

([41]) الجامع الكافي في فقه الزيدية 1/405.

([42]) مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم الرسي عليه السلام مسائل القاسمعليه السلام 2/546.

([43]) الإمام يحيى بن الحسين، رسائل العدل والتوحيد، ج2،ص 13 .

([44]) عبد الله بن مفتاح، شرح الأزهار، ج 1 ص517

([45]) البقرة، 219.

([46]) إسماعيل. ابن حماد الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية،بيروت: دار العلم للملايين. الطبعة الثانية 1399هـ/ 1979 ،ج6:صص 2431-2432.

([47]) أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، معجم تهذيب اللغة، تحقيق د.رياض زكي قاسم. بيروت: دار المعرفة الطبعة الأولى1422هـ/2001 ، ج3، ص 2489.

([48])الأزهري، معجم تهذيب اللغة، ج 3، ص 2491.

([49]) الأزهري، معجم تهذيب اللغة، ج 3، ص 2492.

([50]) الهادي يحيى بن الحسين، جواب مسائل الحسين بن عبد الله الطبريضمن المجموعة الفاخرة، تحقيق علي أحمد محمد الرازحي، صنعاء: دار الحكمة اليمانية،الطبعة الأولى1420هـ/2000 ،ص 665.

([51]) الزمخشري، الكشاف،ج1، 360

([52])      المخترعة-وهي السائدةاليوم- تؤمن بالتدخل الإلهي المباشر والآني، بينما المطرفية تؤمن بالإحالةوالاستحالة، أي: أن الله خلق الطبائع الأربع وخلق فيها القدرة على التفاعلباستمرار؛ فمتى توفرت المناخات المناسبة فإن المطر يهطل بأمر الله بفعل التفاعلبين العناصر وليس بتدخل آنئذ، وضمن الأسباب التي خلقتها، بينما ترى المخترعة بأنالمطر ينـزل بأمر الله مباشرة في نفس الوقت بدون أسباب. وانظر كتابي مع آخرين(حوار حول المطرفية: الفكر والمأساة).

([53])سورة البقرة 106.

([54]) محمد علي الصابوني، مختصر تفسير ابن كثير 1: 189.اختصار وتحقيق.بيروت: دار القرآن الكريم الطبعة الثانية منقحة 1402هـ/1981م.

([55]) السياغي، الروض النضير،ج2، صص610، وما بعدها.

([56])عبد العزيز الدوري: مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، بيروت: دار المشرق، طبعة عام1984،ص87.

([57]) د.شايف، الإمام الهادي، صص44-45. نقلًا عن ابن الطقطقي، الفخري،ص198، والمسعودي، مروج الذهب،ج4،ص259.

([58]) د.شايف، الإمام الهادي، صص44-45. نقلًا عن ديوان ابن المعتز،ص481،دار صادر.

([59]) أبو زهرة، الإمام زيد،ص512.وانظر د.شايف، الإمام الهادي، ص222.

([60]) الهادي، جواب مسائل الحسين بن عبد الله الطبري، ضمن المجموعةالفاخرة، صص62-663.

([61]) علي بن محمد العلوي، سيرة الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، تحقيقد سهيل زكار، بيروت: دار الفكر ص 61.وانظر د.شايف، الإمام الهادي، ص 224.

([62]) عبد الفتاح، الإمام الهادي، ،ص 224. نقلًا عن المقدسي، محمد بنأحمد بن أبي بكر البشاري(توفى حوالي 480هـ/947)،أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ص105،الطبعة الثانية.

([63]) الحسين السياغي، الروض النضير ص 650.

([64]) الحسين السياغي، الروض النضير ص 664.

([65]) محسن بن الحسن أبو طالب تاريخاليمن  عصر الاستقلال  عن الحكم العثماني الأول، تحقيق عبدالله محمد الحبشي، صنعاء: مطابع المفضل، الطبعة الأولى 1411/ 1990، ص 97.

([66]) أبو طالب، تاريخ اليمن عصر الاستقلال ص، 100.

([67])العلوي، سيرة الهادي 47. وانظر :شايف، الإمام الهادي ص214-215  .

([68])انظر عهد الهادي في سيرة الهادي، ص46-48.

([69]) ابن الأثير، الكامل،ج3،س 114.

([70]) أحمد أمين، فجر الإسلام، بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعةالحادية عشرة، 1975، صص110-111.

([71]) التوبة آية 34، 35 .

([72]) الكشاف ص 360.

([73]) الزمخشري، الكشاف،ج1، ص 360.

([74]) سورة الكهف  46.

([75]) آل عمران آية 280 .

([76]) وقريبًا من زمننا لم يستجز الإمام محمد بن عبد الله الوزير إلاكفاية أسبوع.(انظر أحمد بن محمد الوزير، الإمام محمد بن عبد الله الوزير شاهدالعصر).

 

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©