مجلة المسار

أ. د. بركات محمد مراد أ. د. بركات محمد مراد

-

الجاحظ الفيلسوف الساخر والأديب الناقد


العدد الخامس والثلاثون
( السنة الثانية عشرة : العدد الثاني : 1432هـ / 2011م) - رقم الصفحة : 75 - ترجمة :

- التبويب : -

الجاحظ الفيلسوف الساخر والأديب الناقد

 

أ.د. بركات محمد مراد(*)

ماأخجلني إلا امرأتان، رأيت إحداهما في العسكر ـ بسامراء ـ وكانت طويلة القامة، وكنتعلى طعام، فأردت أن أمازحها، فقلت: انزلي كلي معنا !! فقالت: بل اصعد أنت حتى ترىالدنيا. وأما الأخرى فإنها أتتني وأنا على باب داري، فقالت: لي عندك حاجة وأريدكأن تمشي معي؛ فقمت معها إلى أن أتت إلى صائغ يهودي، فقالت له: مثل هذا ! وأشارتإليَّ وانصرفت، فسألت الصائغ عن قولها، فقال: إنها أتت إليَّ بفص وأمرتني أن أنقش عليه صورة الشيطان، فقلت: ياسيدتي ما رأيت الشيطان،فأتت بك.

الجاحظ                   

 لقد كان «الجاحظ» يعلم تماماً أنه ليسمثله شائه الوجه، ولا قصير قامة، ولا ناتئ حدقتين، ولكنه في الوقت نفسه جميل الروحواللسان، طيب المعشر، وبالرغم مما وصف به من سعة العلم والجد في التحصيل قال منسُئل عنه ـ وقد أعطاه خمسة آلاف دينار في كتاب ألفه له ـ أنا أثق بُطرفه ولا أثقبدينه !

 والتاريخ يشهد أنه لم يصبأ ولا تمرد على مجتمعه،بل لعله دفع عنه تهماً باطلة، واكترى من أجله دكاكين الوراقين، يبيت فيها ليكتب منأجله، ما يدفعه إلى مصاف المجتمعات المتحضرة الواعية، إنه «الجاحظ» صاحب «البخلاء»، وصاحب «البغال»، وصاحب «البيان والتبيين» الذي كُوفئعليه بالآلاف الخمسة من الدنانير، كما أنه صاحب عشرات الكتب والرسائل التي تشهد لهبطول الباع في كل فن يكتب فيه، وبطريقته التي تفرّد بها ـ بعد أن قعد سنوات يتلقىالعلم من «الأصمعي»و«أبيعبيدة» و«الأخفش»و«النظام»وغيرهم من علماء «البصرة»في القرن الثاني الهجري، سجل اسمه بين المشاهير على مستوى الإنسانية كافة، ووصفهالمحدثون من الشرق والغرب بأنه كان عبقرية كاملة، وقيل: إنه ـ وإن كان عالماً فيالمحل الأول ـ حرر البيان العربي، ووسع مجراه حتى جاء من بعده من ضيقه بقوالبالبديع.

وعندما يرددون عبارة «ابن هفان» فيه: (ولم أر قطولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ «يضعونه أمام أحاد شهروا فيالعالم باتقاد الذهن، وسرعة الحافظة، وحضور البديهة غير أنهم لا يعدونه أديبابالمعنى الفني المعروف، ويقولون إنه متأدب خدم الأدباء كما لم يخدمهم أحد)([1]).

وقد أتت عبقرية «الجاحظ»، من كونه يكتب ليصورالحياة على حقيقتها، ويرسمها كما هي دون تدخل أو تزييف، شأنه في ذلك شأن المصورالذي يعطيك الحقيقة التي يتوخاها بألفاظ حقيقية مباشرة، تبرز لك المعنى في جلاءووضوح، دون أن يجهد نفسه في تلمس التشبيهات والاستعارات والكنايات وما إليها منهذه الصور التي يصنعها الخيال.

لقد مثل «الجاحظ» الحياة التي يحياهاأدق تمثيل واصدقه، مثلها في عملها وأدبها وفلسفتها وحكايتها وساستها ودينهاوأخلاقها وحريتها، وليس عليك إن أردت أن تعرف شيئا ما عن الحياة في عصر «الجاحظ» إلا أن ترجع إلى كتبهلتجد فيها الصورة الحقيقية التي نقلها بكل موضوعية.

لقد خاض «الجاحظ» في كل شيء يمكن أنيخطر في البال، أو يدور في النفس، أو يمر بالخاطر، مما هو كائن في هذه الحياة منمعنى أو مادة، كل ذلك وما إليه مما هو متصل بالحياة والأحياء كتب فيه «الجاحظ» بعقل العالم، وروحالفنان، وقلم الأديب، حتى قال «ابنالعميد»: (علوم الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس... أما البلاغة والفصاحةواللسن والعارضة، فعلى: «أبيعثمان الجاحظ»، إن كتب «الجاحظ»تعلم العقل أولاً، والأدب ثانياً).

وهكذا كان «أبو عثمان الجاحظ»، عبقريةانفسحت أمامها طرائق المعرفة، فانطلقت محلقة في كل الآفاق، لا تعرف الحدود ولاالقيود، كان معلمة من المعلمات، جمعت فأوعت، واتسعت لكل ما اتسع له الزمن من صنوفالعلم والمعرفة، فكان حجة عصره، وآية دهره، ومعجزة ستبقى على مر الأيام.

نشأةالجاحظ:

حدد «الجاحظ» ـ على ما يذكر «ياقوت» في «معجمالأدباء» ـ سنة مولده، الذي كان بـ«البصرة»في زمن «الدولة العباسية»، وفى خلافة «المنصور» العباسي على وجه الدقة، فقال: (أنا أسن من أبي نواسبسنة، ولدت سنة خمسين ومائة، وولد في آخرها)، وقد ولد في أسرة فقيرة، رقيقةالحال، وهو«أبو عثمان بن بحر بن محبوب بن فزارة الكناني الليثي»، من «بني كنانة بن خزيمة»، والد «النضر»، «أبي قريش»([2]).

أما تسميته «الجاحظ» فهو لقب به لجحوظعينيه وبروزهما، وقد كان يكره أن يلقب به، ويعتز باسمه«عمرو»، وقد نشأ محبًّاللقراءة والثقافة منذ صغره، ويرى الدكتور «خفاجى» (أن «الجاحظ»ينحدر من أصل عربي خالص، ومن بيت كريم المحتد، عظيم المنزلة في الجاهلية والإسلام))([3]).وقد توفي والده وهو ما يزال صغير السن، فكفلته أمه، وراح يتعيش بعمل يديه، حتى أنهرُئي وهو (يبيع الخبز والسمك بسيحان، وهي إحدى جهات «البصرة»،على أن هذا العمل كان مقصوراً على فئة خاصة، بل ربما كانت هذه التجارة، والمهنة،مقصورة على الموالي، من الفرس والنبط والهنود)([4]).

إلا أن «الجاحظ» لم يعجزه الفقر، أويمنعه من أن يواصل علمه، إذ أنه ذاق مرارة اليتم وهو صغير، فأثر فيه، حتى إنهاعتمد على نفسه، وراح يكسب من عمل شريف، ومع ذلك كان يطلب العلم، شأنه في ذلك شأنلداته وزملائه، فتلقى العلم في الكتّاب في باكورة حياته، وقد كانت أمه (تطمع فيأن يجيد الكتابة ليعمل أي عمل، ولكن لا بأس في الوقت نفسه من أن يمتهن أية مهنةتدر عليه أي ربح) ([5])، وهي لاتدري ماذا خبأت لها الأيام، فقد صار ابنها علماً مشهوراً ورأس مدرسة فكرية «الجاحظية» معتزلية كبيرة،وحين انخرط في الكتابة كبيرا فقد كان موسوعيًّا في سعة علمه وفيلسوفاً في عمقرؤيته وفهمه.

ولقد عاش «الجاحظ» ما يزيد على مائة سنةتقريباً، وتنقل خلال عمره الطويل، من فقر مدقع إلى غنى باهظ وعظيم، فلقد عاصر عدداًمن خلفاء «الدولةالعباسية» التي عاش أحسن مراحل عمرها ونهضتها، وقربه الخليفة «المأمون»، حتى ولاه «ديوان الرسائل»، فلم يستمرأكثر من ثلاثة أيام، وعاد إلى حياته الطليقة الحرة، التي فضلها على غيرها، وقد ذاعذكره، واشتهر حتى صار من أعلام عصره المشهورين.

وقد أحب «الجاحظ» العلم، وأغرم بالكتبوالورق، يقرؤها ويتمثلها في حوانيت الوراقين والمكتبات العامة والخاصة، وقد فتح لهالعلم والكتاب مغاليق عقله، كما فتح له بعد ذلك كل الأبواب الموصدة ليفتحها، حتىليصل إلى قصر الخلافة ذاته، ليجد فيه مكاناً ومكانة، في عصر «المأمون» (198 ـ 218هـ)،ولكن من غرائب الأشياء أن هذا الكتاب الذي حرره من اليتم ومن الفقر، وأحال دمامةخلقته إلى حُسن وبهاء في الروح والعقل، وفتح له كل الأبواب المغلقة، كان هو نفسهالذي وضع حدًّا لحياته، حيث انهالت عليه الكتب في أحد الحوانيت، وهو يقرأ بعد أنتجاوز عامه المائة، وأصيب بفالج، وكانت وفاته في عام 255هـ.

ومن الملاحظ أنه نشأ عصاميًّا، فلم يعتمد إلاعلى نفسه، وهو ذاته قد ذاق مر العيش وشظف الحياة وقسوتها، وخصوصاً بعد وفاة والده،وتحمله للمسؤولية صغيراً، حتى جاءت حياته «سلسلة متصلة الحلقات من الكدوالخيبة والحرمان والعناء»، وكان في حاجة ماسة إلى أن يكون شخصية مرموقة تعويضاًعن ظروفه الصعبة التي عاشها، ساعده في ذلك حبه للعلم واجتهاده وسعة اطلاعه، وعمقثقافته، فلقد كان حاد الذكاء «قويالحفظ، واسع الرواية، بعيد مدى الذكاء، ساطع البرهان، سريع البديهة، حُلو الفكاهة،كثير القراءة»([6]).

ونظراً لهذه النشأة العصامية، فقد كره الوساطة،والمحاباة، فقد قال: (سألني بعضهم كتاباً بالوصية إلى بعض أصحابي، فكتبت لهرقعة وختمتها، فلما خرج الرجل من عندي فضها، فإذا فيها «كتابي إليك مع من لا أعرفه،ولا أوجب حقه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذمك»)([7]).

وكان «الجاحظ» مسلماً، متديناً حسنالعقيدة، وكان (مذهب «الجاحظ»في الدين كمذهبه في العلم، مذهب العقل، وصدق الحس، لا يحكم غيرهما، ولا يحكمسواهما) ([8])،وعلى الرغم من أنه قد عاش في عصر كثرت فيه الزندقة (وشاعت فيه طائفة منالخرافات في طبقات العامة، وبعض العلماء والمؤلفين، فإن الجاحظ لم يجد بدًّا له منالتنبيه على هذه الخرافات، وعلى هذا الضلال، وهو الرجل الذي وقف نفسه على نصرةالحق عمره كله، ولم يبق للجاحظ إلا إظهار ما عنده، والقيام بما يلزمه من نصرة الحق،وهجمة على الباطل، خاصة وقد كثرت خصومه وحساده ومتعقبوه، فلم يجد له أفضل سلاحاًمن التهكم).

ولئن كان «الجاحظ» قبيح المنظر، مشوهالوجه، إلا أنه ـ كما يقول «حناالفخوري» ([9])(جمع إلى قبح الخارج، صفات كثيرة، جعلت منه رجل العصر، يروق الكبير والصغير،والعالم والجاهل)، حتى إنه جالس العظماء والعلماء، وكان هذا سر تفاؤله وثقته، ولقدصقلته ظروف قاسية، كما صقلته فطرته واستعداده الشخصي للتفوق، حتى قيل عنه: إنه (كانمطبوعاً على الظرف والفكاهة، لا ينظر إلى الأمر نظراً لا اكتراثيًّا، ليس هو نظرالسوداوي، ولا نظر العصبي، وكان أميل إلى التفاؤل منه إلى التشاؤم، يبدو عليهالسرور وحب الدعابة، وخفة الروح ينظر إلى الأمور في واقعيتها، كما ينظر إلى الناس «نظر الخبير بطباعهم وأخلاقهم،فيحاسن الكبراء دون إسفاف، ويتجنب مخاشنتهم تفادياً من شرهم)([10]).

ورغم ذلك كان طموحاً، ومعتزًّا بنفسه، وما وصلإليه حاله شاهد إثبات على صدق ذلك، فقد سأله رجل: (كيف حالك؟ فقال له الجاحظ: سألتنيعن الجملة فأسمعها منى واحداً واحداً، حالي أن الوزير يتكلم برأيي وينفذ أمري،ويؤثر الخليفة الصلات إليَّ، آكل من لحم الطير أسمنها، وألبس من الثياب ألينها،وأجلس على ألين الطبري، وأتكئ على هذا الريش، ثم أسير على هذا، حتى يأتي اللهبالفرج، فقال الرجل: الفرج ما أنت فيه، قال: بل أحب أن تكون الخلافة لي، ويعملمحمد بن عبد الملك بأمري، ويختلف إليَّ، فهذا هو الفرج)([11]).

 شيوخه وثقافته:

 يذكر «أحمد أمين» في كتابه «فيض الخاطر» أنه كان في فجرعهد «الجاحظ»ثلاثة نجوم لامعة في اللغة والأدب، وهم «الأصمعي»، و«أبو عبيدة»، و«أبو يزيد النصاري» و(كانهؤلاء الثلاثة هم مثقفو «الجاحظ»،وقد تأثر بهم إلى حد كبير، ولعل روح «الأصمعي»الفكهة المضحكة، شعّت على تلميذه «الجاحظ»فكاهة ودعابة، وقد توسع فيها بما مدته به طبيعته وطبيعة عصره، وأخذ عن «أبي عبيدة»فكره ودهاءه مع سعة علمه، ولم يأخذ من «أبي يزيد»إلا علمه بغريب اللغة)([12]).

وقد تلقى «الجاحظ» النحو على «أبي الحسن الأخشن»، الذي كان من أعلم الناس بطرق الكلاموالجدل، وأيضاً من شيوخه «حجاج بنمحمد المصيصي» في الحديث، كما تتلمذ الجاحظ على «الخليل بن أحمد الفراهيدي» واقتبس من علمه، وأخذ عنه النحووالعروض والأوزان الشعرية، أما أستاذه الكبير والذي ورث عنه الاتجاه الاعتزاليالعقلي، فقد كان أبو إسحاق «إبراهيمبن سيار النظّام» الذي كان معدوداً من أذكياء المعتزلة، وذوي النباهة فيهم، (يتوقدفصاحة من صغره، اطلع على الكثير من كتب الفلاسفة الطبيعيين والإلهيين)([13])،وقد اقتدى «الجاحظ» بأستاذه «النظام»،الذي كان له دور كبير في التأثير في شخصيته، بكل أبعادها وكان «الجاحظ» وفيًّا لأستاذه، مخلصاً له، مما كان له تأثيراتفكرية وعقائدية كبيرة عليه.

وقد أثر أستاذه النظامفيه تأثيراً انعكس على فكره وأدبه وسلوكه، حتى جاءت عباراته موجزة ودقيقة واضحةوصريحة، وهكذا لا تراه يقيم إشارة مقام عبارة، بل يعتمد التصريح بدلاً من التلميح،حتى ندرت الرمزية ـ تقريباً ـ في كتاباته، وإن كان في أسلوبه التكرار والاستطراد،إلا أن عباراته شيء، وأسلوبه أو منهجه في التأليف شيء آخر.

وقد تعددت مصادر ثقافة«الجاحظ»،فكان الكتَّاب، هو أول مصدر من مصادر ثقافته الواسعة، إذ أن الكتاتيب كانت شائعةفي عصر «الجاحظ»،فكان يتردد إليها أكابر علماء اللغة، أمثال «النضير بن شميل»، و«أبي أحمد اليزيدي»، و«أبي زيد الأنصاري»، أحدأساتذة «الجاحظ»،وكانت برامج هذه الكتاتيب تشمل القراءة والكتابة والحساب والسنن والفرائض والنحووالعروض، وأشعار العرب وأيامهم، وذلك لتجهيز الصبية وإعدادهم للدراسة في حلقاتالجوامع، أو في المدارس المختلفة التي أنشئت في العصر العباسي.

وكانت المساجد بمثابةجامعات مفتوحة الأبواب، لكل من يريد الانتظام في الدراسة، خاصة وأن العلم والفنوالأدب ازدهرت في زمن الدولة العباسية ازدهاراًملحوظاً، بسب الانفتاح الفكري على ثقافات وافدة غريبة، وهي الثقافاتاليونانية والفارسية والهندية، التي تلاقحت مع الثقافة العربية الإسلامية.

ولقد كان «الجاحظ» ولوعاً بطلب العلم،وكان يحب الرجوع إلى المصادر الحقيقية والمنابع الأصلية في ثقافته، فكان يأخذ عن (المشايخ،كلفي فنه، فاللغة على رجالها، والحديث على رجاله، والاعتزال على أئمته) ([14])،كما أحب «الجاحظ»الاطلاع والقراءة حبًّا جمًّا، حتى قال أحدهمفي حق «الجاحظ»: (لم أر قط ولا سمعتمن أحب الكتاب والعلوم، أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب إلا استوفى قراءتهكائناً ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين، فيبيت فيها للنظر)([15]).

ومن ثم كان الكتابمصدراً ثالثاً من مصادر ثقافته، حتى قيل عنه: إنه ألف «أكثر من ثلاثمائة وخمسينكتاباً في مختلف فروع الثقافة»، وهو يبرهن في كتابه «الحيوان» على كثرة اطلاعهوسعة أفقه، فيبين كيف أنه تعرف «علىمعارف واسعة، واطلاع نادر، على جميع الثقافات المعروفة لزمانه من عربية ويونانية،وعلى جميع الديانات وتعاليمها، من مانوية وزرادشتية ودهرية ونصرانية وإسلامية،وعلى جميع الفرق والنزعات».

لقد كانت مصادر ثقافة «الجاحظ» متنوعة ومتعددة (فآيالقرآن أو التوراة والإنجيل، وحديث وخبر تلقاه من الرواة، وشعر عربي كثير، وأمثالمضروبة، وكتب عديدة قرأها في فنون شتى، ومحادثة لمن يثق بهم من أطباء وتجار وذويحرف، وتجارب يجريها بنفسه في الحيوان والنبات، وسفر وسماع لمن قد مارس الأسفاروركب البحر، وسكن الصحاري، وسلك الوديان)([16])، ممازاد غزارة ثقافته وتنوعها، إضافة إلى استعداده الفطري، وقدرته على الاستيعابوالتذكر والحفظ والهضم والتحليل والتخيل، وإضافة إلى عقلية المعتزلة الناقدة، التيتبدأ بالشك في المعارف والأشياء، حتى يتبين صدقها من عدمه، ليضيفها إلى معارفهالتي حصّلها، ووقف عليها.

وقد أحس «الجاحظ» ـ بفطرته ـ على مايذكر الباحث «محمدسعد القزاز»([17])ـ أن هناك خطراً محدقاً بالثقافة الإسلامية والعربية من جانب الأعاجم، الذين ملكواسلطة البلاد تقريباً في ذلك الوقت؛ مما جعله طموحاً لأن يستوعب «كل الثقافات في عصره، منفارسية وهندية وعربية وإسلامية، وأيضاً يونانية؛ وما ذلك إلا لأنه ـ بحكم عروبتهوإسلامه ـ يدافع عن أشرف عقيدة وأطهر ملة.

 لقد كان «الجاحظ» ذا ثقافة واسعة جدًّا،جعلت منه دائرة معارف حية، ولا غرابة في الأمر؛ لأنه قد وعى في صدره جميع معارفعصره في الأدب والعلم والفلسفة، وكان بالإضافة إلى ذلك يملك مواهب عقلية وأدبية،قل أن تجتمع في رجل غيره، وهذه المواهب أهلته لاحتلال هذا المركز، ولهضم تلكالعلوم والثقافات وكان ميالاً بطبعه إلى الدراسة والبحث والتأليف والتحري.

ويعلق «محمد كرد علي» على ذلك فيقول:(إن كثرة السماع للأخبار العجيبة، والمعاني الغريبة مشحذة للذهن، ومادة للقلوب،وسبب للتفكير، وعلة للتنقير على الأمور، وأكثر الناس سماعاً أكثرهم خواطر، وأكثرهمخواطر أكثرهم تفكراً، وأكثرهم تفكراً أكثرهم علماً، وأكثرهم علماً أرجحهم عقلاً) ([18]).

آثاره ومؤلفاته:

يُعد «الجاحظ» (من الكتابالموسوعيين، وخير شاهد على ذلك كتبه العديدة التي تركها، إذ أنه «لم يترك موضوعاً عاماً إلاكتب فيه رسالة أو كتاباً)، و(من يرجع إلى رسائلهوكتبه، يجده قد ألف في النبات وفي الشجر، وفي الحيوان وفي الإنسان، وفي المعادوالمعاش، وفي العشق والنساء، وفي النبيذ، وفي الشيعة، وفي الزيدية والرافضة، وفيالرد على النصارى، وفي حجج النبوة، ونظم القرآن، وفي البيان والتبيين، وفي حيللصوص النهار، وحيل سرّاق الليل، وفي البخلاء، واحتجاج الأشحاء)([19])،ساعده في هذا حب الكتاب والعلم، وكذلك طول عمره، واستعداده الفطري للتفوق.

 إلاأن «الجاحظ»،رغم كتبه ورسائله المتعددة، والغنية بالألوان المختلفة، فقد امتاز أسلوبه أيضاًبالنقل والجمع من مختلف المصادر، ولكنه لا يقف عند الجمع والنقل، بل يتعداهما إلىالمناقشة والتحليل والاستنتاج، بروح علمية واعية نافذة، قلت أن توجد لدى غيره منمعاصريه، وهي سمة عقلية جاءت نتيجة كونه معتزليًّا، صاحب فكر حر، وأيضاً صاحب فرقةـ معتزلية ـ انتسبت إليه وسميت «الجاحظية».

 وقدأثر الفكر المعتزلي في «الجاحظ»،حتى جاءت كتاباته متفردة ودقيقة، وما ذلك إلا لكونه اتخذ الشك طريقاً موصلاً لليقين،وأساساً يعتمد عليه في كل أفعاله وأقواله، ولذا نراه وقد «استخدم المنطق والبحث عنالحقائق» فقال: (أعرف مواضع الشك، والحالات الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين،والحالات الموجبة له» وفضلاً عن ذلك «لم يكن الشك عنده هياماًبالشك، بل كان طريقاً إلى المعرفة).

وقد حاول من خلالكتاباته، تعميق معرفته بالناس والتغلغل فيها، عن طريق كتاباته الممزوجة بالجدوالفكاهة، حتى (كان يعرض كتبه في أحسن الصور، لئلا يستثقل قراءتها)، ولذلكيقول: (إني أوشح هذا الكتاب بنوادر من ضروب الشعر وضروب الأحاديث، ليخرج قارئهمن باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل»، ويعلل ذلك بقوله: «فإني رأيت الأسماع تملالأصوات المطربة والأغاني الحسنة، والأوتار الفصيحة، إذا طال ذلك عليها)،وكأنه على علم بالفروق الفردية بين الناس، إذ لا يعقل أن يكون كل الناس ـ أو كلقرائه ـ على درجة واحدة من الاستعداد للقراءة، أو الصبر عليها، أو حتى على درجةواحدة من الثقافة أو العقل، وهذا الصنيع يعطينا فكرة واضحة عن عبقريته وذكائه([20]).

وتميز فكر «الجاحظ»، بأنه فكر حر متجددوكذلك كان أسلوبه، إذ أنه كره الأساليب القديمة التقليدية، التي كانت في عصره، فياللغة، ورأى أن التقليد تعطيل وتأخر وجمود، ولذا نزع إلى التجديد Modernization، فهو لا يرى بأساً من أن يدخل العربية عنصر من عناصر آداب الأممالمعروفة في عصره المشهورة بالعلم والحكمة والأخلاق والآداب، على شرط أن تستفيدمنها طرقاً جديدة، وأساليب مفيدة، على ألا تذوب الثقافة العربية في تلك الثقافاتالمشهورة في عصره، بل تأخذ من كل ثقافة ما يتفق معها، محتفظة بشخصيتها العربيةوالإسلامية؛ ولذلك سبق الجاحظ عصره بفكره الثاقب وذكائه الوقاد، حتى عُد (منطليعة الأدباء، الذين مزجوا الثقافة العربية بالثقافات الأجنبية).

وعلى الرغم من كثرةنقله واقتباسه إلا أنه كان يوصي باليقظة لكل ما هو دخيل، من فكر وعادات غريبة، فقدتأثر بـ«أرسطو»،وأخذ عنه الكثير، إلا أنه وقف منه موقفاً نقديًّا فلم يصب أمامه بشلل فكري، كماأصيب في كثير من الأحيان الفيلسوف «ابنسينا»، وغيره من فلاسفة الشرق والغرب، وإنما وضعه في المخبر يمتحنه ويجربه، وقدانتقد «أرسطو»حينما نقل عنه (أن إناث العصافير أطول أعماراً، وأن ذكورها لا تعيش إلا سنة)،وكان نقده لأرسطو لأنه (لم يأت بدليل على ذلك، وكيف يستطيع أن يأتي بدليل جازم،والعصافير قد تكون في المزارع والميازب مملوءة بها، وببيضها وفراخها، والناسالقريبون منها لم يروا عصفوراً قط ميتاً).

ومن هنا (فلم يقبل الجاحظ الخرافة، بل كانيهزأ بمن يقبلها، بل هو في كثير من الأحيان يقف على الاعتقاد حتى يجرِّب ويشك،ويدعو إلى الشك، حتى تثبت صحة النظرية، ويستغرب القارئ من منطقه، وسبقه إلى نظراتفي منهج البحث، لم تعرف إلا في العصر الحديث) ([21]).

كذلك دعا «الجاحظ» إلى التفكير، ودعاإلى الملاحظة قائلاً: (لا يشفيني إلا الملاحظة)، ودعا إلى الشك فقال (من لم يشكلم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والحيرة)، وقد ألف «الجاحظ» مؤلفات كثيرة، حتىصار إمام كتّاب العربية بلا منازع، حتى قال في حقه «المسعودي»:(ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه)، وقد سرد «ابن النديم» كتبه، وهي مائةونيف وسبعون كتاباً، أما «ياقوت»فقد ذكر فهرست كتبه ورسائله، فأثبت منها مائة وثمانية وعشرين مصنفاً.

ويرى الدكتور «خفاجي» أنه قد (ألف الجاحظأكثر من ثلاثمائة وخمسين كتاباً في مختلف فروع الثقافة، ضاعت كلها إلا القليلالنادر، وعلى مر الأيام والأجيال) كما يذكر «عبد السلام هارون» محقق كثيرمن كتبه أنه (قد أخرج للمكتبة العربية زهاء ثلاثمائة وستين مؤلفاً، في ضروب شتىمن العلم، وقد فقد الجمهور الأعظم منها بفعل عوادي الزمن، وآثار الحروب المدمرة) ([22])،ويذكر الدكتور «طهحسين»: (أن الجاحظ قد خلف للعلم والأدب العربي أكثر من خمسين ومائتي كتاب، طبعمنها بعض الكتب، وأشهرها البيان والتبيين، والحيوان، وكتاب البخلاء، ومجموع رسائله).

إلا أن هذا اللبس في حصر كتاباته، يرجع إليهنفسه، إذ كان «الجاحظ»ينسبها إلى مشاهير الكتاب في عصره، أو في العصر الذي سبقه، وذلك من أمثال «ابن المقفع»، و«الخليل»، و«مسلم» صاحب «بيت الحكمة»، و«يحيى بن خالد»، و«العتابي»، ومن أشبه هؤلاء منمؤلفي الكتب، وما ذلك إلا لكي تشتهر كتاباته وتنتشر، ويتقبلها القراء، لمعرفتهمبمؤلفيها([23]).

إن «الجاحظ» الموسوعي الغزيرالفكر بشخصيته الجليلة، ومواهبه الكبيرة، وذكائه اللماح، وثقافته الواسعة، وآثارهالفكرية والأدبية الخالدة، وبآرائه في شتى جوانب الدين والأدب والحياة، شعار مدرسةجامعة، ورمز على التبحر في العلوم، والتوسع في الأدب، والتفوق في فنون البلاغةوصنوف البيان، عاش الناس في عصره وبعد عصره عيالاً عليه، واستمدوا منه، بل وأيضاًعبّوا من بحور ثقافته وعلمه، وهذا ليس بكثير على رجل وهب حياته بطولها ـ التي تعدتقرناً من الزمان ـ للمعرفة والعلم والبحث والفكر، والكتب التي أحبها حبًّا عظيماً،حتى عد من أكبر عشاق الكتب، والمولعين بها ولعاً شديداً، في القرن الثالث الهجري،حتى مات في حب كتبه، إذ أنه «كانعليلاً فسقطت عليه فقتلته، بعدما ترك ثروة طائلة من المعرفة والعلم خلدته وما زالتتخلده، وتعلي من شأنه، كلما اقترب منها قارىء أو دارس أو باحث.

نزعةالجاحظ الفنية:

لقد كان «الجاحظ» إماماً من أئمةالكلام وزعيماً من زعماء المعتزلة، وصاحب نحلة من نحلهم، وكان عالماً محيطاًبمعارف عصره لا يكاد يفوته شيء منها، واسع الرواية دقيق المعرفة، قوي الملكة فينقد الآثار وتمييزها، ولكنه كان فوق كل هذا كاتباً وأديباً بكل ما تتضمنه هذهالصفة من رهافة الحس، وخصوبة الخيال وقوة في الملاحظة، ودقة في الإدراك، وقدرة علىالتغلغل في دقائق الموجودات، واستشفاف الحركات النفسية المختلفة، وتمكن من العبارةالحية النابضة، والتصوير الكاشف البارع الذي يبرز الصورة بشتى ملامحها وظلالها فيبساطة ودقة وجمال.

ويمكننا أن نتبين كلهذه الخصائص والميزات السابقة في كثير من كتبه، وخاصة كتابه «البخلاء» الذي أدار رحاه علىصنف من البشر تميز بالبخل الشديد، وبالغ في هذه الصفات حتى صارت أشكالاً وخصائصتكاد تصل إلى حد (الكاريكاتير) الحديث في شدةالمبالغة وغرائبية التصوير والتحليل، على الرغم من أنه قد سبقه إلى هذاالفن من عباقرة أدباء العرب ومفكريه أمثال «الأصمعي» و«أبي الحسن المدائني» و«أبي عبيدة»، ولكن الأمر مختلفبين «الجاحظ»وبينهم.

 ويبين لنا «فؤاد نصر الدين»([24])اختلاف الطريقتين بقوله: (كانت أحاديث البخل وأخبار البخلاء تسير في اتجاهين وتتجهإلى غايتين: وفى أحد الطريقين يقوم دعاة الشعوبية فيردون على العرب فخرهم التقليدي،بالكرم ويقولون: إن أكثر هذا الفخر كلام لا يفي به الفعل، ونوع من النفج لا حقيقةله في الواقع، وفى سبيل ذلك يذهبون يتلقطون من هنا وهناك أخبارهم مما يتعلقبمآكلهم الغثة ومطامعهم الكريهة وهيئة معيشتهم الخشنة إلى غير ذلك مما هو من لوازمالبداوة؛ ليغضوا بذلك من قدرهم في نظر جمهور الناس، ويحيطوهم في أخيلتهم بجو منالضعة والمهانة، وقد وجدوا في باب الهجاء عند شعراء العرب مادة موفورة يصدرون عنهاوالهجاء قائم على التجني.. والعرب إذا وجدت رجلاً من القبيلة قد أتى قبيحاً ألزمتذلك القبيلة كلها) كما يقول «الجاحظ».

وفى الطريق الآخر،يقوم دعاة الدولة القائمة ومن وضعوا أنفسهم في خدمة السلطان ومسايرته في سبيله منالعلماء وأهل الأدب، ومن هؤلاء من ينصر الدعوة العربية ويتعصب لها كـ «الأصمعي»، ومنهم من هو أميلإلى الشعوبية كـ «المدائني»،ولعل من أقرب الشنع تأثيراً في نفوس الجماهير ما يتعلق منها بالمطاعم بين الشرهالذي تتقزز منه الحضارة، والبخل الذي تنفر منه الإنسانية، وهما يتجاوران كثيراً فيحديث البخلاء.

وهكذا نجد أن «معاوية» (كان شحيحاً علىالطعام.. كان يأكل كل يوم خمس أكلات آخرهن أغلظهن ثم يقول: يا غلام أرفعفوالله ما شبعت، ولكن مللت، وأنه أصلح على عجل مشوي فأكل معه دستاً من الخبزالسميد وأربع خرافي وجديًّا حارًّا وآخر بارداً سوى الألوان، ووضع بين يديه رطلاًمن الباقلا الرطب فأتى عليه)، و«عبد الملك بن مروان» كان يلقب «برشح الحجر ولبن الطير» لبخلهوذكر «الجاحظ»أنه دخل حائطاً له فيه فاكهة وأشجار وثمار فجعلوا يأكلون ويدعون بالبركة، فقالهشام: ياغلام اقلع هذا واغرس مكانه الزيتون، وكذلك كان عمال «القسري» و«خالد بن صفوان المنقري» و«الحكم بن أيوب الثقفي» ومنإليهم موضع التندر بالبخل والشره من «الأصمعي» و«المدائني» و«أبي عبيدة» وقد أورد «الجاحظ» من هذه الأخبار مسندةإليهم وهي مقصورة على العصر الأموي([25]).

وهذان هما الاتجاهان البارزان في الحديث عنالبخل وإقحامه في باب الكتابة والتأليف، لقد كانت كتاباتهم فيه إخبارية لا فنية،تعرض صوراً من الحياة الماضية دون الحياة الحاضرة، ولكنه بالنسبة للجاحظ كانموضوعيًّا جديراً بالاقتحام وباباً واسعاً للإبداع، استعرض فيه نزعته الفنيةوقدراته الأدبية وأسلوبه الساخر وتحليله النفسي العميق.

على أن «الجاحظ» لم يكن يقف عند حدالإخبار، وإنما كان يلجأ إلى أمرين في الرواية أولهما: شرح ما غمض فيها من معنىوتفسير ما صعب من دلالة لفظية، وثانيهما: التعليق على الخبر إذا كان يحتاج إلىتعليق، وفى الشرح والتعليق يبدو راسخ القدم، غير أنه يعتذر أحياناً عن عدم الإطالة(وأنا أعلم أن عامة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي لا يعرف معنى هذه الأشعار ولايفسر هذا الغريب، ولكني إذا تكلفت ذلك ضعف مقدار كل كتاب منه، وإذا طال ثقل، فقدصرت كأني اكتبها للعلماء، والله المعين).

ومع ذلك كان يرد مااستطاع إلى الرد سبيلاً، فهو مثلاً عندما ينقل رأي من يقول إن التوأم يكون عادةضئيلاً، أسرع فقال: (ورأيت الأخوين المازنيين بمنكر ونكير، كل واحد منهماكالجمل المحجوم، ورأيت الأخوين المازنيين وكان أحدهما إذا حُم حُم الآخر، وإذا رمدرمد الآخر، فلما مات أحدهما أوصى الآخر، ومات بعده بقليل، وكان كل واحد منهما كأنهالرمح الرديني).

 والناظر في كتاب البخلاء يرى أن معظم الشخصياتالتي رسمها الجاحظ فيه هم من طبقة التجار حتى ليمكن القول بأنه يعتبر من جوانبهتصويراً لها ووصفاً لبعض ألوان حياتها، ولا ريب أن لنشأة «الجاحظ» في «البصرة» حيث تكثر هذه الطبقة(التجار) وتحتل فيها مكاناً ظاهراً واتصاله على نحو ما ببيئاتها مما كان له أثرهفي اتجاهه إلى تصويرها.

وقد كان أسلوبه فيالكتاب أسلوباً ساخراً على الرغم من إيراده حجج البخلاء ومبررات بخلهم، التي يسوقونهاعلى لسان بعض من عُرفوا بالبخل من معاصريه كـ«سهل بن هارون»، و«الخرافي»،و«الحارثي»، و«الكندي»،و«الثوري»، و«ابن أبي المؤمل»، و«ابن التوأم»، و«الأصمعي»، يحتجون لمذهبهم فيالاقتصاد في المنفعة والتثمير للمال، أو مذهب (الجمع والمنع) كما يحلو «للجاحظ» أحياناً، أن يذكرهبهذا الوصف ويدافعون عنه ما ينبز به، فيأخذ الجاحظ في إيراد هذه الحجج مذاهبمختلفة، فهو يسوقها مرة مساق الجد والسخرية تترقرق في خلالها، ويعرضها أخرى فيمعرض السخرية الصريحة والتهزؤ المكشوف، وهو في ذلك كله يحكي حركاتهم النفسية حكايةدقيقة، ويعرض ما تورده خواطرهم أسبابهم المختلفة التي تحكمهم من بواطنهم عرضاًرائعاً.

ويؤكد لنا الدكتور «طه الحاجري» محقق كتابه «البخلاء» أن وضع الأحاديثوتوليدها باب من الأبواب التي اتسمت بها نزعة الجاحظ الأدبية، ووجدت فيها متاعاًلها ومجالاً لعبقريتها، وقد يتأثم بعض المتزمتين من أن يسند إلى «الجاحظ» أنه كان وضّاعاًمولّداً، ويرون في هذا المنهج من التكذيب والتزوير ما يجلون به «الجاحظ» ويرفعونه من أن يتدنىإليه.

أما أن «الجاحظ» كان يولد الأقوال،ويصنع الأحاديث، وفتن في ذلك شتى الأفانين، فأمر ظاهر كل الظهور في هذه الأحاديثالمستطيلة والرسائل المستفيضة والقصص المفتنة التي ضمنها كتابه هذا ونسبها إلى هذاأو ذاك من رجال عصره، فإن أسلوبها وطريقة وصفها ومنحى الاستدلال فيها كل ذلك شاهدقوي الحجة واضح الدلالة على أن «الجاحظ»هو صاحبها.

وقد كانت البراعة في الوصف، والدقة في التصويرأبرز الخصائص الفنية في البخلاء، هذا الوصف الذي يشمل الوصف الحسي، وكذا الوصفالنفسي(إن كل قطعة من كتاب البخلاء شاهد قوي لا يحتمل الجدل على قوة تصوره ودقةملاحظته وخصوبة خياله وعنايته بالتفصيلات التي تجلي الصورة وتبرزها من جميعنواحيها، وتضعها أمام القارئ وقد اجتمعت لها خصائص الوضوح وبلاغة التعبير وقوةالتأثير) ([26]).

وأسلوب «الجاحظ» في الوصف هو ـ فيحقيقة الأمر ـ وجه من وجوه الواقعية الغالبة عليه، وقد أعانه على أن يبلغ بأسلوبههذا ذلك المبلغ من دقة التصوير وروعته قوةإدراكه لقيم الكلمات وإحساسه الملهم بالظلال التي تنتشر عنها.

الجاحظالمعتزلي:

كان عمرو الجاحظ «معتزليًّا» والاعتزال (فىالإسلام إنما جوهره حرية التفكير، فلم يتقيد في تفسير آية، وتأويل حديث، بقيد منالقيود، وإنما مرجعه في هذا التفسير وهذا التأويل إلى عقله وحده) ([27])،وتعتبر المعتزلة من أهم الفرق الدينية وأشهرها في الإسلام، حيث إنهم (نصبواأنفسهم للدفاع عن عقيدة الإيمان الإسلامية، وما يتصل بها من توحيد الله، وتنزيههعن التشبيه، وحقائق النبوة، والثواب والعقاب في الآخرة)([28]).

وقد كان «ابن خلدون» في مقدمته يرى أنعلم الكلام قد نشأ في ظروف كان لزاماً عليه أن ينشأ فيها، إذ أنه العلم الذي يتضمنالحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين فيالاعتقادات من مذاهب السلف، وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد.

وقد تتلمذ «الجاحظ» المعتزلي على «إبراهيم النظام» واشتهر كلامهبين المعتزلة، بعدما انفرد من بينهم بآراء خاصة، تابعه عليها قوم منهم تسمو (بالجاحظية)فكان شيخ مذهب فيهم، ورأس فرقة منهم، و«الجاحظية» هم أتباع الجاحظ الذي أثبت الإرادةللإنسان، ورأى أن الحواس جميعها من جنس واحد أي أن حاسة البصر من جنس حاسة السمع،ومن جنس سائر الحواس الأخرى، وإنما الاختلاف في جنس المحسوس، ولقد رأي الجاحظ أنالمعارف ضرورية للإنسان، فلا يعصي الله أحد إلا بعد العلم بما نهاه عنه.

وقد تميزت المعتزلة بخصائص كثيرة، على رأسها،أنهم اعتبروا العقل مصدراً للمعرفة؛ ولذلك رفضوا كل ما لا يتفق معه، كما أنهميدعون إلى أن يتعلم الإنسان عن طريق التفكير في خلق الله، وأن يعمل فكره مهتدياًبالكتاب والسنة، موظفاً حواسه فيما خلقت له، رابطاً بين أمور دنياه وأمور دينه،ويتجلى هذا المبدأ فيما نجده من دعوتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والمعتزلة تأبى التقليد، وتتميز بالشك، وإنكان شكها يختلف عن شكل الأدرية والسوفسطائيين، حيث إن شك هؤلاء شك كلي ونهائي،يهدم الحقيقة والفضيلة، بينما الشك عند المعتزلة، هو شك منهجي من أجل الوصوللليقين والحقيقة، والشك عندهم درجات، تدفع إلى الترجيح بعد فرض الفروض، ومناقشتها، وبعد ذلك يأتي التوقف أو التثبت أو الرفض،والشك بهذه الصورة هو أكبر أسبابالتعلم؛ ولذلك هو من سمات العلماء والمفكرين؛ ولذلك يرى «الجاحظ» أن العوام أقل شكوكاً منالخواص؛ لأنهم لا يتوقفون في التصديق والتكذيب، ولايرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلا الإقدام على التصديق المجرد، أو التكذيبالمجرد، وألغوا الحالة الثالثة من حال الشك، التي تشتمل على طبقات الشك، وذلك علىقدر سوء الظن، وحسن الظن بأسباب ذلك، وعلى مقدار الأغلب([29]).

وقد شك الجاحظ في المعرفة الآتية عن طريقالحواس فقال: (لعمري إن العيون لتخطئ، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلاللذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل، إذا كان زماماً على الأعضاء وعياراً علىالحواس)، والجاحظ في هذا يخالف السوفسطائيين الذين «ردوا المعرفة إلى الحس»،فانتهى بهم هذا القول بأن الفكر لا يقع على شيء ثابت، ومن ثم امتنع إصدار الأحكام،وبطل القول بوجوب حقيقة مطلقة، بل تعذر وجود الخطأ !! أنكروا إمكانية إصدارالأحكام العامة؛ لأنها تستلزم أن تكون الفكرة حاضرة في جميع العقول، مع أن الحقيقةعندهم وقف على الفرد؛ وبهذا امتنع العلم.

و«الجاحظ» في رأيه هذا متأثر بأستاذه «النظام»، يقول «النظام»:(نازعت من الملحدين الشاك والجاحد، فوجدت الشكاك أبصر بجوهر الكلام من أصحابالجحود)، وقال أيضاً: (الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كانقبله شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شكولهذا لا يركن «الجاحظ»إلى التقليد، بل يعمل فكره، ويحسن تقويم الآراء والعادات والتقاليد، ويرفض منها ما لا يتفق والتفكير السليم، وعنده أنالتقليد داء يحتاج إلى علاج طويل الأمد، وأنه المرض الذي يصيب العقيدة، ويشل العقلعن التفكير.

كما ينبغي أن نعي أن من سمات الشخصيةالمعتزلية، فوق أنها شخصية عقلية، أنها شخصية أخلاقية، يقوم المبدأ الأخلاقي لديهاعلى أساس من الدين الإسلامي الحنيف، ويتبين هذا واضحاً من خلال كلام الجاحظ الذييقول: (احترس كل الاحتراس ممن لا يراقب الله عز وجل، فإنه لا يخلو من أحد أمرين،إما أن يكون لا يعرف ربه مع ظهور آياته ودلالاته، وإما أن يكون به عارفاً، وبدينهموقفاً، وعليه مجترئاً مستخفًّا، فإن كان بحقه جاهلاً، فهو بحقك أجهل، وله أنكر،وإن كان به عارفاً مجترئاً، فهو عليك أجرأ، ولحقوقك أضيع، ولأياديك أكفر) ([30]).

كما أن الشخصية المعتزلية صاحبة منهج علمي،ومنطق عقلي، تؤمن بالسببية، والعلية Causality أي بارتباط النتائج بالأسباب، أو السبب بالمسبب، وعندهم أن «السبب لا يحدث ثم يحدث المسبب»،فالمسبب لا يمكن أن يكون بلا سبب، وهذا جوهر المنهج العلمي؛ ونظراً لهذا الاتجاهالعلمي الرفيع الذي سيطر على فكر المعتزلة وأتباعهم، كثر عدد من تتلمذ على يد «الجاحظ» من قريب أو بعيد،فمنهم من سار على طريقته في التأليف، ومنهم من سار على أسلوبه في التعبير، ومنهممن سار على منهجه العقلي المعتزلي، ولم يعدم الجاحظ مع ذلك خصوماً ألداء منالملحدين والرافضة، ومن المرجئة، فجرّت خصومتهم إلى أكثر من مناظرة عنيفة، ولاسيما في مجال الاعتزال وعلم الكلام، كما أغرت أولئك الخصوم بإطلاق آراء في الجاحظ،كثيراً ما كانت مغايرة للحقيقة؛ لأنها صادرة عن هوى شخصي غير متجرد([31]).

ونظراً لأن «الجاحظ» قد خبر النفس البشرية وعرف طبائع الناس، من خلالاختلاطه بهم ولرهافة حسه، فإنه لم يسمح لنفسه أن يبارزهم بسلاحهم، بل كان يرى أنسلاحه أفضل وأقوى، فيقول: (لو ملكت عقوبة الحاسد، لم أعاقبه بأكثر مما عاقبهالله، بإلزامه الهموم قلبه، وتسليطها عليه، فزاده الله حسداً، وأقامه عليه أبداً).

 ومنهنا لم يكن غريباً أن يوليه «المأمون»ديوان الرسائل لسعة معرفته، وتعدد ألوانها، وأيضاً لرجاحة عقله وقوة حجته، ورغمذلك يذكر«سهلبن هارون» أن «الجاحظ»لم يستمر أكثر من ثلاثة أيام في هذا العمل، وتركه هارباً منه، لما فيه من تقييدلحريته (إن ثبت الجاحظ في هذا الديوان، أفل نجم الكتاب)، أي أن حرية «الجاحظ» هي التي جعلته ينتجويكتب، ولولا كونه حرًّا ما أعطى بهذه الغزارة وهذا التدقيق، لقد خلف «الجاحظ» في حضارة الإسلامسجلاً جميلاً أميناً لكل ما جرى فيه، وعرضاً ذكيًّا لشرائحه السكانية... ملوكاًووزراء وكتابا وقضاة كانوا مستعرضين وعوّائين يتغنون بالسرقة ويتفالجون في الكدية،ولعله في عنايته بالسفلة والأغنام شهادة على أنه أول من لفت إلى أدب العامة، وكانفي رأيه واضع النواة الأولى للأدب الشعبي عند المسلمين، دون أن يفلت من يده زمامالأدب الفصيح على أساس أنه صورة العربية الكريمة.

 وبتجريبية العلماء طرح في كتبه ـ وبخاصة «كتاب الحيوان» ـ مجموعة منالحقائق البيولوجية والفسيولوجية اتفق فيها مع جماعة من المعتزلة على رأسهم أستاذهالنظام، ولم يسلم بعد التجربة المعملية ـ وهي تشريحية في الغالب ـ بكثير مما كانيردده الجمهور عن الظليم والأفعى وبعض الأسماك ونحوها، ولكنه أسس فكراً ناقش بهأستاذه، ورد عليه في موضوعات جوهرية، وقد اكتسب بهذا ومثله الصفة الكلامية، ودعمهذه الصفة برواية متقنة لعلم الأولين، فحسب على الرواة المكثرين، وشملت مروياتهمجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة.

ومن ناحية أخرى أصابقدراً كبيراً من الجدل جعل عليه من السهل أن يمدح شيئاً ويذمه في آن واحد، أو ربماوقف وحده الموقفين المتعارضين للشيء الواحد على ما يظهر في رصده لأقوال كل من صاحبالديك وصاحب الكلب، ولما عرض له في شأن القيان والغلمان والسودان والبيضان.

هو إذن موسوعة إنسانيةضخمة، وليس ينقص من قدره الجانب الآخر من شخصيته، حيث يبدو لاهياً مقبلاً علىالحياة الدنيا وشغوفاً بالجلوس إلى القيان والمغنين([32])،فقد أتت كتبه موسوعية في كثرتها وضخامتها، وعميقة في تناولها وتحليلها، ذلك أنها «توصي بنفسها على نفسها، إذ أنهاتجمع بإتقان كل الحجج، التي يمكن أن ُتثار لتدعيم نظرية أو أخرى، وهي تنفرد علاوةعلى عمق المحتوى، بنبالة الأسلوب، والوضوح، وبساطة العرض، كما أنها في متناولالعامة والخاصة، كما أنها تفيد العقول البسيطة الساذجة، والعقول الأكثر ثقافة»([33])،وليس هذا إلا الأسلوب والمنهج، الذي اتبعه «الجاحظ» في الكتابة.

الجاحظالساخر:

تميز «الجاحظ» بأسلوب ساخر، وبطريقةأدبية فذة في تناول كثير من نماذجه البشرية الأدبية، خاصة وأنه قد تعرض في مؤلفاتهلكثير من أنواع البشر في عصره ومصره، مثل الشحاذين والسراق والبخلاء والبرصانوالعرجان، وكثير من أصحاب العاهات والذين أثرت فيهم عاهاتهم تأثيرات نفسية متناقضة،كما هو واضح في كتابه «البرصان والعرجان والعميان والحولان» وكذلك كتابه «البخلاء».

وترجع السخرية إلىطبيعة «الجاحظ»ومزاجه، فقد كان رجلا مرح النفس متهللاً للخاطر منطلق الوجه، نزَّاعاً إلى الضحك،ومن ذلك ما نجده لديه من الدعوة إلى الضحك والمزاح والفكاهة والدفاع عنها ورد مايعترض به عليها، كما نرى صورة بينة من ذلك في مقدمة البخلاء، وفى ذلك الفصل الطويلالقيم الذي تحدث فيه عن المزاح وعرض لوجهة النظر المختلفة فيه في «رسالة التربيع والتدوير»،ولقد كان يرى أن الميل إلى المزاح والتقبل له إنما يكون من سهولة الخلق وسعة الأفق،إذ يقول في موضع آخر من هذه الرسالة: (ومن يغضب من المزاح إلا كز الخلق، ومنيرغب عن المفاكهة إلا ضيق العطن).

كما كان يحكي عن نفسهكيف كان يسترسل في الضحك ويغرق فيه، ونرى مثلاً من ذلك في القصة التي قصها عن نفسهمع محفوظ النقاش، فأكبر الظن عندنا أن ميل «الجاحظ» إلى السخرية وماإليها إنما جاء ـ أول شيء ـ عن هذه الطبيعة المرحة المنبسطة الضاحكة، ثم إنه كان ـإلى هذا ـ رجلاًً سهل الجانب، لين الحاشية، محبًّا للناس، عطوفاً عليهم.. لا يضيقبهم، ولا يتبرم بعيوبهم، ولا يتسخّط عليهم.. وإنما هم في مختلف أشكالهم وشتىمسالكهم صورة من هذه الحياة التي يحبها، وأمثلة من الإنسانية التي يقدرها ويعطفعليها.

ومن هنا سلكت نفسه فينقدهم مسالك السخرية اللطيفة التي تشير إلى مواطن العيوب وتصورها في جو مرح تتخللهبسمات الاستحسان، وتغمره ضحكات السرور.. فالجاحظ نقّاد بطبيعته، ولكن لين جانبهوحبه للحياة نكبا به كثيراً كثيراً عن طريق الجد الصارم في النقد وما يكون في هذاالطريق كثيراً من الغضب والتسخط والبغضاء وما إليها من المعاني المباينة للحب،المزورة عن سبيل الحياة، وله في هذا كلمة دقيقة لعل فيها بياناً لتلك الطبيعة،وتفسيراً لذلك المذهب وهي قوله: (الجد مبغضة والمزح محبة) ([34]).

ولا ننسى أن «للجاحظ» أسلوبه المتميز فيالكتابة، فهو يميل إلى خلط الجد بالهزل، من باب الفكاهة والترويح عن قارئه، كمايميل إلى الاستطراد واستخدام المترادفات، من باب تأكيد فكرته التي يعرضها، حتى لايترك قارئه، أو لا يتركه قارئه، إلا وقد استوعب ما يريد توصيله إليه، أو فهم مايريد (تعليمه) إياه، إذا نحن أردنا إلى الدقة في التعبير، إضافة إلى قدرته الفائقةعلى تقسيم كلامه، حتى ليبدو نغماً موسيقيًّا عذباً.

لقد نبعت السخرية وطريقتها الجاحظية عن نفسذات أبعاد جوانية عميقة، تعلمت من الحياة قبل أن تتعلم من الورق والكتب، لقد كان «الجاحظ» دميم الخلقة، ناتئالعينين (جاحظهما)، قبيح الوجه، غير مرغوب فيه، بشع المنظر، قيل في حقه: إن الجاحظرجل لا خلاق له في دين ولا مروءة، وكان مع هذا كله كريه المنظر، قصير القامة، أسودالوجه، حتى قال في وصفه الشاعر([35]):

لو ُيمسخ الخنزيرُ مسخاً ثانياً

ما كان إلا دونَ قبحِ الجاحظِ

شخصٌ ينوبُ عن الجحيمِ بنفسهِ

 

وهو القذى في كلِّ طَرْفٍ لاحظِ

وربما كان هذا الوصف «للجاحظ» فيه مبالغة وتطاول،ولكن إذا ما جاءت هذه الصفات على لسان «الجاحظ» نفسه، فإن هذا يعد بمثابة تقرير واقع،وليس مبالغة، أو افتراء على «الجاحظ»،كما رأينا في حكايته مع المرأة التي أراد أن يمازحها، أو تلك التي ذهبت به إلىالصائغ لصنع خاتم لها، حيث يقرر بنفسه صورته وصفته الخلقية، ويعترف بدمامته وقبحه،وتراه يواصل الكلام عن منظره ودمامته فيقول: (ذكرت لأمير المؤمنين المتوكل،لتأديب بعض ولده، فلما نظر إليَّ استبشع منظري، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وصرفني) ([36]).

ونحن نرى بذلك أن «الجاحظ» في وضعه ذاك لنفسهوعدم خجله من ذلك قد تجاوز ذاته وتفوق على نفسه وارتفع فوق الرسوم والأشكال، فأصبحيتعامل مع نفسه بوصفه موضوعاً للفكاهة والتندر، وهذا يعتبر قمة التجاوز وغايةالتفلسف، وربما عاد ذلك إلى أنه كان يرى أن هذا القبح، يقابله جمال في الجانبالآخر، وأن هذا دليل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، من جانب وعلى عنصر المفارقةمن جانب آخر (مفارقة الأضداد)، وعلى قوة الشخصية من جانب ثالث، فلم يغضب، ولمينطوِ على نفسه، بل عايش الناس وتقرب إليهم، ولاطفهم وتودد إليهم عن طريق(المفاكهة) و(الظرف) الذي تميز به.

إن من يقترب من «الجاحظ» يرى أن من خصائصه (نزعة فطرية إلى التهكم والضحك)(فقد ساعدته هذه النزعة على التغلب على مصاعب كثيرة، اعترضته في الحياة، فهو ماكان ينظر إلى هذه الحياة من زاوية سوادء، فيرى العبوس سائداً فيها، فيجنح إلىالتشاؤم بالعيش، والتبرم بالناس، بل على العكس كان ينظر إليها من زاوية وضاءة تشيع التفاؤل حوله، فيقوم على عمله، والأمل ملءصدره بالنجاح)([37]).

ولعل هذا الطريق (طريق التهكم والضحك)الذي اتخذه «الجاحظ»؛ليكون نوعاً من الحيل الدفاعية أو(ميكانيزمات الدفاع) DefenceMechanism ؛ اتخذها ليتقرب بها إلى الناس، ويتودد إليهم،ويكون مرغوباً فيه، إذ أن الإنسان لا يقوم (بأي نشاط، إلا إذا كانت هناك غايةأو هدف يهدف إلى تحقيقه عن طريق هذا السلوك، سواء كانت الغاية هي إشباع دافعفسيولوجي، أو الوصول إلى مركز مرموق.. فهناك في جميع هذه الحالات غاية وهدف؛ ولهذايمكن القول: إن السلوك هادف، غير أن قولنا بأن السلوك هادف لا يستلزم ان يكون الإنسانعلى وعي دائم بالهدف الحقيقي الذي يسلك من أجله) ([38]).

وسواء كان (تفسيرنا) لسلوك الجاحظ (التهكمي)،على أنه فطري وفي طبيعته ـ إن كان قد ساعده على التغلب على مصاعب كثيرة واجهته ـأو قد اتخذه كطريق للتخلص ـ به ـ من نظرات الآخرين له، فإنه في كلتا الحالتين يعبرعن شخصية ذكية فطنة([39]).

وبالرغم من أن «الجاحظ»، كان متهكماً، فإنهكان طيب القلب، واسع الصدر، ولم يكن (تهكمه) رغبة في التهكم، وأيضاً لم يكن في كلالحالات، ولا على كل الناس، وإنما كان يتهكم على من لا يعجبه تفكيره ومنطقه، وتعدقصة «ذواللحية» خير دليل على نوع التهكم الجاحظي، إذ يذكر «الجاحظ» أن «سلّام بن يزيد» دخل عليه (فإذاهو جالس وحواليه عشرون صبيًّا، ليس منهم ذو لحية غيره ـ الجاحظ ـ فقال سلّام بنيزيد: أيكم أبو عثمان؟ فرفع يده وحركها في وجهه، وقال: من أين؟ قلت: من الأندلس،فقال: طينة فمعاء، فما الاسم؟ قلت: سلّام ، فقال: اسم كلب الفرّاء، ابن من؟ فقلت: ابنيزيد، فقال: بحق ما صرت، أبو من؟ فقلت: أبو خلف، فقال: كنية قرد زبيدة، ما جئتتطلب؟ فقلت: العلم، فقال: ارجع بوقت فأنت لا تصلح، فقلت له: ما أنصفتني، فقال: اشتملتعلى خصائص أربع: جفاء البادية، وبُعد الشقة، وغرة الحداثة، ووحشة الداخل، فقال: فترىحولي عشرين صبيًّا ليس فيهم ذو لحية غيري، كان يجب أن تعرفني بها) ([40]).

هذا جانب من جوانب تهكم «الجاحظ»، يظهر فيه أنه لميتخذ التهكم للسخرية أو الاحتقار، ولكنه كان بمثابة سلاح يستعمله، إما دفاعاً عننفسه أمام شانئيه، وإما كنوع من الاستنكار لموقف ما كان يجب أن يكون صحيحاً، بينماجعله صاحبه مقلوباً وغير صحيح، كما فعل «سلّام».

ولما كان «الجاحظ» قد عاش في عصر كثرتفيه الزندقة، وشاعت فيه طائفة من الخرافات في طبقات العامة، وبعض العلماءوالمؤلفين، فإن الجاحظ لم يجد بدًّا له من التنبيه على هذه الخرافات وعلى هذاالضلال، وهو الرجل الذي وقف نفسه على نصرة الحق عمره كله، فلم يبق للجاحظ إلاإظهار ما عنده، والقيام بما يلزمه من نصرة للحق، وهجمة على الباطل، خاصة أنه قدكثرت خصومه وحساده، فلم يجد له أمضى سلاحاً من التهكم، وهذا التهكم الذي قال فيه «فولتير»: (إذا أردت أنتقتل خصمك فاجعله هزأة)، لذا يمكن القول إن أسلوب «الجاحظ» في التهكم كان أثراًمن آثار بيئته ومجتمعه الذي عاش فيه.

ولكن من أي نوع كانت هذه السخرية؟ وأي لونكانت تصطنعه؟ أكانت سخرية عادية فاقعة تبالغ في إبراز ما تريده وفى الألوان التي تسبغهاعليه مبالغة صارخة كما هو الشأن في أكثر سخرية العامة؟.

كلا.. فما كان «الجاحظ» ليلجأ إلى هذاالأسلوب الفج الذي يفسر به العامة ضحك العامة، وهو رجل الفن.. الصناع الدقيق الذهن..الجيد السبك، وإنما هي السخرية التي تقصد إلى الأذواق المترفة والمدارك المرهفةحتى لقد يرى البعض من القراء هذه الصورة أو تلك من صوره الساخرة فلا يكاد يتنبهإلى مواطن السخرية فيها، إذ كانت سخرية الذهن الدقيق والذوق الرفيع المهذب والفنالخالص المتمكن.

وقد أشار «الجاحظ» ـ إشارة ما ـ إلىمذهبه هذا في التعليق على القصة مما كان يتناقله الناس عن رجل عرُف بأشنع البخل،فلما مات ابنه فسأل عن إدامه فإذا هو قطعة من الجبن، وإذا فيها حز من أثر مسحاللقمة، فرأى في هذا الحز ما يدل على الإسراف، فغضب فقيل له: «فأنت كيف تريد أن تصنع؟»..فقال: «أضعهامن بعيد فأشير إليها باللقمة»، قال الجاحظ في التعليق على هذه النادرة: (ولايعجبني هذا الحرف الأخير؛ لأن الإفراط لا غاية له، وإنما تحكي ما كان في الناس ومايجوز أن يكون فيهم.. مثله أو حجة أو طريقة فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره)،ففي هذا التعليق ما قد يشير إلى مذهب الجاحظ في التصوير الساخر، وهو المذهب الذينستطيع أن نراه مطرداً في «كتابالبخلاء» ([41]).

وهكذا اتضحت لنا مكونات شخصية الجاحظ الفيلسوف،وهو على الرغم من قبح منظره وجحوظ عينيه، قد جمع كثيراً من صفات الجمال، وعميقالرؤية والنظر، ما جعل منه رجل العصر، يروق الكبير والصغير، والعالم والجاهل، حتىإنه جالس العظماء والعلماء، وكان هذا سر طموحه وتفاؤله([42]).

وجملة القول إن قوة حيوية «الجاحظ» هذه تعتبر من العواملفي هذه النزعة الساخرة العابثة ذلك هو«الجاحظ» الساخر العابث، وكتاب «البخلاء» هو من أكثر آثارهالأدبية تأثراً بهذه السخرية وكشفاً عن هذه الطبيعة المرحة إذ تكاد كل قطعة منقطعه وكل صفحة من صفحاته تجلو لنا صورة كاريكاتورية رائعة في الأدب والنقد وكثيرمن أبواب الثقافة العربية والإسلامية، واستطاع أن يحصل على ثقافة غنية، وعلم واسع،عن طريق الخبرة الهادفة المباشرة، التي لازمته طوال فترة حياته، والتى عبر عنها من خلال قوله: (إني قد لابست السلاطين،والمساكين، وخدمت الخلفاء والمُكدين، وخالطت النساك والفتاك، وعمّرتالسجون كما عمّرت مجالس الذكر..)([43]).

وقد صدق «الجاحظ» في هذا القول، حيث انكل هذا أكسبه معرفة مميزة، من خلال دخوله في تجارب ومواقف أتيحت له، فكتب عنهاوصورها، بل وسجل وقائعها، وأبدع تقريبا في كل المجالات، حتى جاءت كتاباته موسوعيةدالة على سعة معرفته وثقافته، وغزارة قراءاته وتعددها، حتى إنه لم يكن يعد «أديبالبصرة وحدها، ولا أديب العراق وحده، بل كان أديب العالم العربي جميعه».



(*) أستاذالفلسفة الإسلامية رئيس قسم الفلسفة والاجتماع كلية التربية ـ جامعة عين شمس.

([1]) د. أحمد كمال زكي: صاحب البرصان والعرجان، الفيصل العدد48، ص22،الرياض أبريل 1981م.

([2]) د. أحمد كمال زكي: صاحب البرصان والعرجان، الفيصل العدد48، ص 22،الرياض أبريل 1981م.

([3]) د. محمد عبد المنعم خفاجي: أبو عثمان الجاحظ ص53، دار الكتاباللبناني، بيروت عام 1973م.

([4]) السابق ص 55.

([5]) د. أحمد كمال زكي: الجاحظمعلم الفكاهة، الهلال عدد 89، القاهرة أغسطس عام 1966م.

([6]) د. أحمد كمال زكي: الجاحظ، أعلام العرب عدد 15، الهيئة المصريةالعامة للكتاب عام 1977م.

([7]) الجاحظ: كتاب البخلاء، تحقيق أحمد العوامري وعلى الجارم ج1 ص 13من مقدمة طبعة دار الكتب المصرية عام 1938م.

([8]) الجاحظ: نوادر الجاحظ، ص19 تقديم جميل جبر، دار بيروت للطباعةوالنشر عام 1955م.

([9]) محمد كرد على: أمراء البيان ص 362.

([10]) حنا الفاخوري: الجاحظ،ص 20، دار المعارف، سلسلة نوابغ الفكر العربي، عدد 2 مصر،1956م.

([11]) السابق ص 20.

([12]) الخطيب البغدادي:تاريخ بغداد، ج12، دار الكتاب العربي، ص219 بدون تاريخ.

([13]) أحمد أمين: فيض الخاطر ج4 ص 289، لجنة التأليفوالترجمة والنشر، القاهرة عام 1943م.

([14]) البغدادي: الفرق بينالفرق ص13 تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة صبيح، القاهرة، بدون تاريخ.

([15]) انظر: د. محمد سعدالقزاز: الفكر التربوي في كتابات الجاحظ، دار الفكر العربي، مصر، عام 1995م، وانظرأيضاً: أحمد أمين: فيض الخاطر ج4 ص 291.

([16]) ياقوت: معجم الأدباء ج16 ص 76.

([17]) أحمد أمين: ضحىالإسلام ج1 ص 39، مكتبة النهضة المصرية، ط9 ،عام 1977م.

([18]) محمد كرد علي: أمراء البيان ج2 ص391 ، لجنة التأليفوالترجمة والنشر، مصر عام 1937م.

([19]) د. شوقي ضيف: الفنومذاهبه في النثر العربي، ط2، ص 160، 161، دار المعارف عام1977م.

([20]) د. محمد سعد القزاز:الفكر التربوي ص 117، 118.

([21]) أحمد أمين: ضحىالإسلام ج1 ص 398.

([22]) عبدالسلام محمد هارون: تهذيب الحيوان ج1 ص5 منالمقدمة، نهضة مصر عام 1957م.

([23]) الجاحظ: رسائل الجاحظج1 تحقيق عبد السلام هارون، ص351،مكتبة الخانجي، القاهرة بدون تاريخ.

([24]) فؤاد نصر الدين حسين:تعليق على كتاب البخلاء للجاحظ، الفيصل العدد69، الرياض في يناير 1983م.

([25]) انظر للجاحظ: البخلاء،تحقيق طه الحاجري، سلسلة ذخائر العرب، ط5، دار المعارف عام1976م.

([26]) انظر: مقدمة المحققلكتاب البخلاء، السابق.

([27]) شفيق جدي: الجاحظ،معلم العقل والأدب، ص88، دار المعارف، مصر عام 1948م.

([28]) د. شوقي ضيف: العصرالعباسي الأول ص 133، دار المعارف، مصر عام 1976م.

([29]) الجاحظ: الحيوان،تحقيق وشرح عبد السلام هارون ج 6/ 36، 37 ط 6، الحلبي عام 1966م وأيضاً أحمد أحمدفشل: آراء الجاحظ وتأثيرها في البلاغيين العرب ج1 ص36، الهيئة المصرية العامة، 1979م.

([30]) د. محمد على أبو ريان:تاريخ الفكر الفلسفي ج1 ص 97 ـ104 دار الجامعات المصرية، الإسكندرية 1972م.

([31]) الجاحظ: الحيوان ص 203،وانظر: د. محمد سعد القزاز ص 60 ـ 63.

([32]) فوزي عطوان: الجاحظدائرة معارف عصره، ص34،الشركة اللبنانية للكتاب، بيروت عام 1971م.

([33]) أحمد كمال زكي: صاحبالبرصان والعرجان ص 23 الفيصل.

([34])D J,AHIZ: Le Liver De La Couronno (KitabeEltadj) Ahmad Zeki Pacha. Le Cairimprimerie Nationale , 1914.p. 5.

([35]) فؤاد نصر الدين:البخلاء للجاحظ، الفيصل ص142.

([36]) الإسفراييني: التبصيرفي الدين، تحقيق محمد زاهد الكوثري، 53، القاهرة عام 1960م.

([37]) أبو الطيب محمد بن إسحاقبن يحيى: الموشى أو الظرف والظرفاء، ص 79 ط2، الخانجي، 1953م.

([38]) د.جميل جبر: الجاحظ في حياته وأدبه وفكره ص152 دارالكتاب اللبناني، بيروت عام1968م.

([39]) د.عبدالسلام عبدالغفار: مقدمة في علم النفس العام ص 178 دار مكتبة الجامعة العربية عام 1969م.

([40]) انظر: د.محمد سعدالقزاز: الفكر التربوي ص 103- 106.

([41]) الجاحظ: نوادر الجاحظ ص7، 8 تقديم جميل جبر، داربيروت للطباعة والنشر عام 1955م.

([42]) في ختام القرن التاسععشر أصدرت دار بريل C.J Brill بلندن كتاب البخلاء للجاحظ، وقد عني بنشرهوتحقيق نصه العلامة المستشرق فان فلوتن C.Van Vloten وأهداهإلى شيخ المستشرقين في عصره العلامة نولدكه Noldketh، وقد أسدى فان فلوتنبنشره هذا الأثر إلى الأدب العربي منة لا تكاد تقدر، فقد توالت بعد ذلك الدراساتالمعمقة والجادة في مؤلفات الجاحظ.

([43]) الجاحظ: البخلاء تحقيقطه الحاجري، دار المعارف عام 1976م، ص 48.

جميع الحقوق محفوظة لمركز التراث والبحوث اليمني 2011 - 2012 ©